ما الذي يجعل من عبارة غير واقعية وغير خاضعة لمنطق الكلام، عبارة مركبة بالكامل من الخيال الشعري الصرف، ان تكون تحمل دلالة عالية جدا في علم النقد واللغة؟ وما الفرق بين من يدرك إشارات وعلامات اللغة وبين الجاهل الذي يرى في الشعر مجرد أوهام لا صلة لها بواقع الحياة؟.. ولماذا عندما يتحدث كبار المفكرين عن أزمات الهوية والإصلاح وغيرها يحيلون الأمر برمته إلى أزمة في اللغة وطريقة التفكير والكلام؟
معظم الدراسات النقدية الحديثة وقفت عند تحليل (الدلالة اللغوية) حتى أصبحت الشعرية في نظر كثيرين تعتمد على مهارة الكاتب في توليد الدلالات الجديدة و(إزاحة) الدلالات القديمة للكلمات وإعطائها بعدا وروحا مختلفة.. لكن الفلسفة التي تقف وراء هذه النظريات أبعد من أن تكون مجرد إجراء ميكانيكي داخل اللغة، انها في العمق نظرة شاملة وواسعة إلى الكون ومعناه .. فعندما يقوم الشاعر بإعطاء الشيء دلالة شيء آخر مختلف عنه، إنما هو يؤكد أن الكون مترابط في جميع عناصره،
والمعاني قابلة للتجاور دائما، وان التنافر والتضاد والتشابه هي كلها صفات متداخلة في حقل لا نهائي من الدلالات التي يتشكل منها معنى الكون، وبذلك فان المحسوسات والظواهر التي لا ترى بالعين لا تقل أهمية في وجودها عن المادة والعناصر الأخرى.. كما يصبح المشهد الضبابي الذي يراه الشاعر في ما يشبه الرؤيا، ربما أهم من الحقيقة أو منظر الشارع العام.
ولأن فعل (إزاحة) الدلالة من مكانها الأصلي أو الواقعي مفتوح على اللانهاية، فان التجديد الذي يرغبه الإنسان ويتوق إليه لابد من أن يبدأ من اللغة .. والعبور نحو تحقيق رؤية متوازنة لمعنى الكون والوجود والهوية يبدأ بالاعتراف بشمولية الكون، وبقدرة الذات على تخطي الجاهز إلى المبتكر ..
إي اننا ننتقل من مرحلة الحفظ إلى مرحلة البحث، ومن الإيمان بقدسية الماضي إلى التمسك والتعلق بالمستقبل والتكيف معه باستمرار عن طريق إفساح المجال للدلالات كي تنتقل من النقيض إلى النقيض لأن انتقالها هو جزء من حركة الحياة .. وهو عكس السكون الموجود في كتب الماضي التي ينظر إليها البعض وكأنها (مطلق) اللغة حيث كل دلالة تشير إلى مدلولها الأصلي، ومارق من يخالف هذا المنطق.
بهذه النظرة(المفتوحة) إلى العالم، وبتجاوز الدلالات المباشرة للمكان والزمان، يمكن تفتيت الكثير من الكلس الذي يمنع التفكير بحرية، وقد تتفتح أبواب العبور إلى الحلم بأسرع مما نتخيل، وقد يموت الانتظار ، وتتلاشى عذابات الواقفين على بوابة الصبر، وقد ينتحر الجلادون وحراس الكلام بشكل جماعي، غرقا في نهر الحياة، والفكرة البيضاء التي تولد في الذهن الصافي قد يتاح لها ان تكبر وتتنشق طعم الحرية الحقيقي؟
akhozam@yahoo.com