بعد رصد مبلغ خمسين ألف جنيه استرليني جائزة للقصة القصيرة، هل تعيد جائزة أوكونور الآيرلندية المجد الذي افتقدته القصة بمنافسة الرواية وغيرها من الأشكال الأدبية؟ إذا كان العام الحالي قد شهد عدداً من الأحداث العالمية المهمة على الصعيد الثقافي. فإن أحد أبرز هذه الأحداث ستكون قد جسدته الجوائز الأدبية، الجديدة على وجه الخصوص.
جائزة «فرانك أوكونور الدولية للقصة القصيرة» إحدى الجوائز التي قامت برفع قيمتها إلى خمسين ألف جنيه استرليني، لتصبح بذلك الجائزة الأكبر التي تمنح للقصة القصيرة على مستوى العالم بعد جائزة مهرجان أدنبرة للقصة القصيرة وهي من الجوائز الأدبية البريطانية الجديدة التي أعلن عنها في شهر أغسطس الماضي بالتزامن مع الاحتفالية الثقافية السنوية التي تشهدها أدنبرة.
في أعقاب الإعلان عن الأعمال المرشحة للظهور في القائمة النهائية لجائزة فرانك أوكونور، في شهر يونيو الماضي، التي تضمنت ست مجموعات قصصية وصفت من قبل المحكمين بأنها قوية ومتميزة، أعلن في 25 سبتمبر الماضي عن فوز الصينية «يون لي» وذلك عن مجموعتها القصصية «ألف عام من الصلوات الطيبة» بالجائزة لتصبح أول كاتبة تفوز بجائزة أوكونر بعد التعديل الذي طرأ على قيمتها.
يقول القاص والشاعر الأميركي ريموند كارفور 1938 ـ 1988 في مقال له أعيد نشره في سنة 1981 بمجلة بروسبيكت في عددها الصادر في سبتمبر القصة القصيرة، في الواقع، اختبار للكتابة الإبداعية على نحو لا تستطيع الرواية القيام به، أو أنه لا يبدو أساسياً بالنسبة لها.
حيث أن الكتابة عن الأشياء المألوفة العادية باستخدام لغة بسيطة ومكثفة ثم إضفاء صفة المفردات العادية عليها لجعلها تنطق بأشياء كالكراسي والستائر والإكسسوارات النسائية على نحو استثنائي معبر هو في حد ذاته من الأمور التي تحتاج إلى القوة.
على الرغم من طرحها حسب تعليق البعض سؤالاً حول أحقيتها بالفوز بالجائزة باعتبارها باكورة الإنتاج القصصي لمؤلفتها المهاجرة الصينية المقيمة في أميركا، إلا أن ما صرحت به، فال مكدرموت، رئيسة لجنة المحكمين فور الإعلان عن النتائج جاء ليؤكد أن قصص مجموعة ألف عام من الصلوات تكشف النقاب عن موهبة لي الأدبية ووعيها بتقنيات القصة القصيرة قبل أي شيء إضافة إلى ما سمته جودة الكتابة.
إلى جانب مجموعة لي كانت القائمة النهائية قد احتوت على خمس مجوعات أخرى وقع عليها اختيار لجنة التحكيم من بين 60 مجموعة قصصية توزعت أماكن نشرها بين نيويورك ولندن ودبلن. مؤلفو هذه المجموعات، باستثناء لي وبريت أنتوني هم من الكتاب الذين نشرت لهم أعمال سابقة.
وهؤلاء هم الكندي ديفيد بزموزغيس مؤلف «ناتاشا وقصص أخرى» الصادرة عن دار جوناثان كيب للنشر، والروائية الأميركية المعروفة أليس هوفمان التي رشحت مجموعتها «منزل الشحرور» الصادرة عن دار شاتو أند وندوس للنشر، والأميركي بريت أنتوني مؤلف «جثة كريستي» صادرة عن دار راندوم هاوس للنشر، والكاتب الأميركي ديفيد مينس الذي صعدت مجموعته القصصية «السمكة الذهبية الغامضة» إلى النهائيات، والروائي الأسترالي تيم وينتون مؤلف «المنعطف» الصادرة عن دار بيكادور.
توفق القصص التي تحتوي عليها مجموعة ألف عام من الصلوات بين عناصر المعاصرة والعالمية التي تسعى من خلالها المؤلفة إلى التعبير عن دور الحب والموت والبهجة والأعباء التي تفرضها على الإنسان المعاصر أساليب الحياة الحديثة التي تتسلل إلى حياة الصينيين وغيرهم من الناس في أماكن مختلفة من العالم، على نحو مفاجئ.
في هذه القصص يلتقي القارئ أناساً غير عاديين منهم الذكور الذين تشكك الكاتبة في فحولتهم والنساء العوانس، والمثقفون الذين يعيشون في المنفى، كلهم يشعرون بوطأة التغيير الذي يتحكم في مصائرهم بشيء من الاستبداد وعدم المبالاة بالجانب الإنساني للحياة. على نحو جدير بالاهتمام تلفت لي انتباه قارئها إلى الدور الذي يلعبه الصراع بين كل من الميثولوجيا والتكنولوجيا والتاريخ والثقافة في حياته.
وعبر هذه التوليفة تنسل إليه عشر قصص مؤثرة وجميلة عن حياة الصينيين ، تبدو بالفعل كوميديا سوداء تضعها بين يديه ومنها قصة «الموت لن يكون خبراً سيئاً لو عبر عنه بالشكل المناسب» و«ما بعد الحياة» التي تدور تفاصيلها حول تجربة قاسية لزوجين مع ابنهما الوحيد الذي يعاني إعاقة شديدة وهو ما تقارنه لي بالحالة التي تمر بها حياة زوجين يعاني أحدهما من خيانة الآخر دون أن يتمكن من الخلاص .
في حين تجسد قصة «حب في السوق» حالة القهر الاجتماعي التي تعيشها امرأة يفوتها قطار الزواج فتقرر تكريس حياتها من أجل خدمة الآخرين إلا أن المؤلفة تضعها أمام اختبار بسيط يكشف عن مدى ضعفها أمام رغبتها الطبيعية إذ ليس أمامها سوى التفكير في مصيرها عندما يتقدم لخطبتها أحد الشحاذين.
تزامن فوز لي بجائزة أوكونور مع توليها وظيفة أستاذ مساعد للغة الإنجليزية بكلية ميلس إضافة إلى تدريسها مادة الكتابة الإبداعية وحصولها على لقب شخصية عام 2005 الممنوح من قبل صحيفة لوس أنجلوس تايمز. ولدت لي ونشأت في الصين ثم هاجرت إلى أميركا في سنة 1996 وحصلت هناك على شهادة في الكتابة الإبداعية من برنامج أيوا للكتابة الإبداعية. وكانت كل من مجلة ذي نيويوركر وباريس ريفيو قد نشرتا عدداً من قصصها القصيرة التي تضم مجموعة ألف عام من الصلوات الفائزة بجائزة أوكونور.
تأسست جائزة فرانك اوكونور في سنة 2000 في مدينة كورك الآيرلندية التي تحتفل هذا العام باختيارها عاصمة للثقافة الأوروبية. وكان أهم أهدافها الاحتفاء بعبقرية القاص والناقد والمترجم ومؤلف السيرة الآيرلندي فرانك أوكونور (1903 ـ 1966) أحد أبناء هذه المدينة إضافة إلى التعريف بأسلوبه الأدبي بشكل خاص.
مريم جمعه فرج