صدر حديثاً عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق مجموعة «فيلم سكوب بالألوان»، وتحتوي على ست قصص ونص. مؤلف الكتاب هو سامي حمزة، وهو الكتاب السابع له بعد أربع مجموعات قصصية، وثلاث مسرحيات بعنوان «المطر في خامس الفصول» ورواية «البشر.. وحتى الشجر» وفي هذه المسرودة الروائية يحكي من أفواه كبار السن في أسرته الشركسية قصة تهجير الشركس من بلادهم إلى سوريا وما لقوه في الطريق من أهوال.

وتتساءل حين تقرأ موضوعات الكتاب، ما الذي يجعل الكاتب السوري المنفي إلى هوامش الخريطة السياسية والاجتماعية أن يكتب بمثل هذا الحزن والغضب والنزق، يفصح تارة، ويغمض أخرى، يمد يده إلى جسد الراهن ويحلم أن يقبض على شيء من النور والأمل فما يجد في كفه غير طين لزج منتن.

أهي جغرافيا الهامش والمركز؟ ولكن كم من الكتاب أحلهم التوزيع الجغرافي مركز الاهتمام والإشهار، ثم أزاحهم تاريخ الأدب إلى هوامش الخارطة؟سميت المجموعة باسم قصتها الأولى زفيلم سكوب بالألوانس، وهذه القصة تجمع بين تقنيات القصة وتقنيات سيناريو الفيلم السينمائي، وليس المقصود أياً منهما، وإنما المقصود هو تقديم لقطات مركزة على ما جرى ويجري في العراق،

أما الجمهور فهو خارج اللعبة تماماً، وتنتهي القصة بلقطة مؤسية مدهشة: «لقطات سريعة من صالة لأخرى، تكشف أنها ملأى بالنظارة عن آخرها. فجأة ينتبه يول براينر إلى وجود الكاميرا، وبيد بارد وحركة خاطفة، أشهر مسدسيه، وأفرغ أحدهما في العدسة والآخر في جبهة المصوِّر. وحدث أن امتلأت الصالات كافة لمرة واحدة، ثم خرج الحضور قبل نهاية العروض، وعندما أضيئت الصالات بالأنوار فوجئ يول براينر أن كل مشاهد قد ترك حذاءه على مقعده!».

في قصته «الكارثة خلف الباب» يلجأ إلى التقنية السينمائية نفسها «هيأ الرجل حضوره لمتابعة آلة عرض سينمائية مثبتة في جبهته» وبهذه الآلة المثبته في ذاكرته يصور الكاتب الخراب الكبير الذي أصاب حقل التعليم في البلاد: آذن غير مكترث بغير شراكة مدير المدرسة ملبياً رغباته. بلطجي يساوم معلمة أصيلة على تسهيل إجازة ليحل مكانها معلمة وكيلة واعدة.

تلميذات صغيرات يسألن عن أخبار برنامج تلفزيوني، وأخريات في الإعدادية يبحثن عن صور المطربين، وطالبات في الثانوية يقتنين نشرات وصوراً خلاعية. ويختم القصة بهذه الحقيقة المؤلمة». ولتوِّه أدرك كيف تموت مدن وتنسى، وحيَّره نجيب محفوظ بنيله جائزة عالمية ولا أحد من تلاميذ وطلبة المدينة يعرفه!»

وفي قصة «السيد الوزير» يكشف جانباً آخر من الخراب الذي حل بالبلد، فهذا الوزير حين شكل «قطب العظمة» الوزارة رضي أقل الوزارات ميزانية متظاهراً أنه يريد من خلالها أن يخدم قطب العظمة، وبصمت وتواضع كاذب صار «يجمع أحمر الذهب وكل نفيس، يودعه في بنك إحدى الولايات البعيدة خلف المحيطات، وبالآن نفسه هجَّر أولاده تباعاً، وخص مشفاه بتجهيزات فائقة..».

وعلى الوتر نفسه أي الخراب والفساد السياسي والوظيفي يعزف قصته «نادي النبلاء» وفيها نجد موظفاً حكومياً راتبه محدود يشتري لزوجته التي توحمت على الجانرك في غير موعده ثلاث عبوّات بمبلغ خيالي وينهي القصة بهذه السخرية الناقدة: زويذكر أحد المعمرين الخبثاء، أن أمه (فكشة) حين حملت به وتوحمت على ليمونة، أتاها أبوه بعشرة قروش ملح الليمون وقال لها: وهذا حامض أكثر من الليمون.. سفّيه واقض وحمك به.. حرام الفسق يا امرأة..!

أما النص في هذه المجموعة وحمل اسم «المِرجل» ووصفه بأنه سيرة، فهو متابعة لكاميرا تلتقط المفاسد واللون الرمادي «لون واحد ليس غيره، لون الرماد يغطي الآفاق التي باتت تضيق وتزداد ضيقاً، حتى اختفت الأماني والآمال.. ياللعقل المتخلف إن احتل مواقع متقدمة.. برغم ذلك ترفض الصمت، تتكلم، بل تكتب مكثّفاً مختزلاً في زمن ندر فيه من يقرأ».

في هذا النص الذي يحتل المساحة الكبرى في المجموعة يمنح الكاتب نفسه الحرية في التنقل بين الموضوعات والخواطر ولحظات السخط والغضب، وجميعها تشكل سيرة موضوعية لظواهر وحياة يعيشها أو يراقبها. فهو يتحدث عن الكتاب الذين يكتبون لبعض النساء، يتصرفون وفق مآربهم، يقول: «إن اللاتي يستجررن أقلاماً تكتب لهن أو عنهن، والذين يرضون تسخير أقلامهم لغايات، باتوا مشكلة نفعية بالدرجةالأولى، كخطاط فتح دكاناً يزاول فيها مهارته لقاء أجر معين، نقداً أو عيناً، لا فرق».

وفي موضوع آخر من مشاهدات الكاتب وتجاربه، يتحدث عن مدير دائرة خدمية، أول ما استلم مهمته قصد أفضل الخياطين، وباعة القمصان والأحذية الباهظة الثمن، وغير أثاث مكتبه، واختار أفضل سيارة حكومية، واستبدل سكرتيرته، وحجز طاولة لسهراته الليلية، ثم راح يتحدث في المجلس الخدمي أمام المحافظ عن مشروعات حيوية ومنها تعبيد وتزفيت طريق إلى القرية الفلانية،

ولما اعترض أحد الأعضاء قائلاً: إنه قدم تواً من القرية ولا أثر لهذا الطريق، غضب المحافظ وأرغى وأزبد وقمعه وأسكته. ويختم الكاتب روايته لهذه الحادثة بقوله: «بعد تسع سنوات قصدت (أي الكاتب) تلك القرية في حملة محو الأمية، فصادفت ذلك الرجل (الذي اعترض) وبادرته إني لم ألحظ الطريق معبداً، شخص بصر الرجل وقال: عندما انتقل المحافظ، طوى مدير الدائرة الطريق وأهداه له، فأخذه مع أثاثه إلى مزرعته..!».

عبدالفتاح رواس قلعة جي