في حوالي عشرين لوحة، يقدم الفنان التشكيلي ثائر هلال معرضه الجديد في صالة مرايا على قناة القصباء بالشارقة، تحت عنوان «نقش إلى عبداللطيف الصمودي» كتحية فنية من فنان إلى آخر. تؤدي المساحة دوراً مميزاً في المشروع البصري عند الفنان ثائر هلال. فهو يستخدم عنصريها أي الفضاء والأرضية وكأنهما عنصر واحد.
إذ أنه لا يشطر ولا يفرق بينهما حتى تصير المساحة بما يصطلح تسميته مسرحياً بالمنصة الواحدة، ثم يطلق المفردات البصرية كإطار تتحرك به وتعلن عن قوليتها، من ضمن البناء التأليفي المتماسك والمنسجم مع قصدياته الكثيرة. وأولها الحركة المعبرة التي لا تنحصر في منحى واحد، وكأنها تتوسم اتجاهات عدة، فتدمج بين الموسيقى والشكل، وبين ذاكرة الحلم وهواجس رؤى والواقع، إضافة إلى دعوة هذه العناصر جميعها مشاهد اللوحة إلى أن يكون جزءاً منها؛ بمعنى المشاركة بمبتغاها التفسيري.
لا تخلو لوحة ثائر هلال من صنعة احترافية، تختزن أكاديميتها وتتمرد عليها أحياناً. فهي لوحة تؤكد لعبة التصوير ومن ثم تتوارى خلف الصورة. تؤلف سطوحها وتزوغ عميقاً، فتصير المشهدية الواحدة مشهديات. واللون يأتي غامضاً كسيل لا يتوقف، لكنه يتوظف في حركية اللوحة وتفاصيلها جميعها، إن كانت صغيرة أو كبيرة، والتي تبتعد عن مفاهيم الجمال بمعناه الذهني،
حيث التصاميم المحررة ضمن توازن توليفي بين الضوء والظل، وبين تدرجات اللون باتجاه العمق الذي يكتنز معاني لها رؤى مديدة ومختلفة، ومضطربة، بانتمائها إلى التعبيرية، مهما حاول الفنان عدم إظهار التزامه بنمط أو منهج معين في إبداعه.
تحمل لوحة الفنان ثائر هلال شيئاً من التكرار الدائم لشكل يختاره الفنان يبدو للوهلة الأولى كأنه يعيد رسمه على الدوام. لكن بعد هنيهة يتبين للناظر إلى اللوحة أن الشكل المكرر ليس إلا حالة جديدة ومتجددة. فالواحد هنا يحمل فرديته وفرادته، وفي الوقت نفسه هو متعدد في واحد.
وقد تكون هذه إشارة إلى علاقة الأشياء ببعضها، وإلى علاقات الجماعات ببعضها بعضاً. وإلى علاقة هذين المستويين بفضاء يؤمن لهما فسحة للالتقاء والتحاور والتجاور بالمعنيين السلبي والإيجابي. أو على الأقل أن هذا كله يؤدي إلى التحريض لاكتشاف احتمالية الحركة والشكل، في أن يكونا على شبه وعلى تضاد.
وهذا الاتجاه له مرجعية في الفن التشكيلي الحداثوي مع المدرسة الروسية والمدرسة الألمانية أو الأسبانية، أخذ مسميات كثيرة، لكنه خرج من رحمي التعبيرية والواقعية الجديدة. باختصار لوحة ثائر هلال تجريبية ومتقنة، تعتمد على المبادرة والتمرد. وتقيم مكانة للسؤال الإبداعي من دون الاكتراث إلى الأجوبة الكلاسيكية.
حسين قطايا