صحة الأب كانت متدهورة
ثم اقتربت منه زوجته وقالت:
ـ لا تخف، أنا من ستذهب أولاً..
ـ ما الذي تقصدين..
ـ الذي يحب أكثر يذهب أولاً..
ـ ولكنك مثل أم شابة، تتحركين بمودة ويسر.. فتتهلل حولك الملائكة..
ـ الملائكة هم السبب.. وأحس بأنهم لن يتركوني هذه المرة..
في الليل شعرت الأم بضيق في صدرها، فالتفتت إلى جوارها فوجدت زوجها غارقاً في نومه.. نزلت من السرير مسرعة ومضت الى الغرفة الأخرى حيث ولدها الصغير.. هزته بقوة..
ـ انهض.. انهض.. واحضر أخاك الأكبر.. انتزعه من زراعي زوجته..
ـ احضره ولو كانت شهقة واحدة بينهما وبين السر العظيم..
ـ أحضر أخاك بسرعة وإلا لن ترياني ثانية..
ـ نهض الابن الأصغر الى الثياب ثم مضى مسرعاً إلى الباب..
ـ ذهبت الأم الى ابنتها الصغرى واندست في فراشها.. واحتضنتها..
ـ استيقظت الصغرى.. وتأملت أمها خائفة..
ـ ما الذي جرى..
ـ قالت الأم: لا شيء أحببت أن أضمك إلى صدري.. فهل تمانعين
ـ فابتسمت الصغيرة وتابعت نومها..
ثم انفتح الباب ودخل الابن الأكبر مستاءً وصاح:
ـ أين هي؟
ـ في غرفة أختك الصغرى..
دخل الابن الى أمه المستلقية على السرير.. وعندما لمحته الأم تهلل وجهها وقالت بلهفة أعطني يدك..
ـ الأبن الأكبر مد يده.. فأمسكتها الأم بيدها وشدت عليها بقوة، وقالت لابنها:
ـ إن تركت يدي أغور إلى الأرض السابعة وأموت.. فلا تدفعني بيدك للهاوية.
ـ قال الابن: لن أتركك
بعد هذا الكلام غامت عينا الأم وانحاز جسدها الى الهباء، وغادرتها النسمة الواهنة.. وظلت أصابع يدها قابضة بقوة على كف ولدها الكبير..
بعد مدة.. حضر الطبيب وكشف على الأم وأكد في تقريره.. بأنها ميتة.
قال الأبن الأكبر: ولكنها تشد على يدي وكأنها لا تزال حية، وقد بذلت جهداً كبيراً لتخليص يدي من يدها دون ان أتمكن.
ـ قال الطبيب: لابد من تكرار المحاولة.. فاليد التي تحب تشد على اليد الأخرى حتى ولو كانت ميتة.. وعندما لم يتمكن الابن من تخليص يده من يد أمه بعد محاولات مضنية.
ـ صاح الأب: ليتها أمسكت يدي.. ثم استلقى الى جوار جسدها وهمس إليها ببعض الكلمات والذكريات، فتورد وجهها واسترخت أصابعها.. فانتشل الابن يده من يدها ومضى فرحاً بيده التي استعادها وكان خلال هربه يسمع سقوط جسد أمه العميق. بعيداً عن الأبناء المتشاغلين.
محمد أبو معتوق