لم يكن فوز العرض المسرحي السورى «فوضى» بجائزة أفضل عرض مسرحي في الدورة الـ 17 لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي مفاجأة للجمهور أو النقاد المتابعين للمهرجان، فقد توقع عدد كبير منهم ذلك واعتبروه من العروض المهمة المشاركة في المهرجان ورشحوها لنيل إحدى الجوائز .

ولكن المفاجأة كانت في فوزه بجائزتين وليس جائزة واحدة، وهما أفضل عرض وأفضل إخراج، فالعرض الذي ألفه وأخرجه الممثل والمخرج السوري عبدالمنعم العمايري .

وهو من المعروفين على الساحة الفنية العربية، يطرح رؤية سياسية واجتماعية عميقة لقضية مهمة في المجتمعات العربية وهي «قهر المرأة» وذلك من خلال خمس سيدات اجتمعن في بيت واحد، لكل واحدة منهن قضيتها الخاصة ومعاناتها التي تصب في العلاقة المباشرة مع الرجل.

والذي اعتبره المؤلف مصدرا لشقائنا، فالرجل في هذا العرض يمثل السلطة القمعية في مجتمع مازالت فيه المرأة العنصر الأضعف، وقد اختار المخرج عبدالمنعم العمايري «بيت الهراوي»، ليقدم عليه العرض لكي يستفيد من البعد التاريخي، لهذا المكان الرحب ولتعميق رؤيته على صعيد الفضاء المسرحي.

وبالفعل كان بيت الهراوي المكان الأنسب للحكايات الخمس، فقد كان التفاعل بينهن وبين المشاهدين أكثر رغم صعوبة ذلك على كل من الممثلات الخمس اللائي اعتمدن على الارتجال المتعمد، وربما كان تفوقهن في الأداء من أهم الاسباب التي رشحت العرض لنيل الجائزتين.

والتي دفعت أيضا رئيس لجنة التحكيم الأميركي مارك هول إلى دعوة أعضاء اللجنة وجميع الحاضرين للمؤتمر الصحافي لإعلان الجوائز للوقوف تحية لهن على روعة الأداء أما المخرج عبدالمنعم العمايري الذي حصد من قبل عدة جوائز منها جائزة مهرجان قرطاج عن مسرحية «الصدى» فقد قال عقب فوز عرضه بالجائزتين إنه سعيد جدا.

وإنه كان يتمنى الفوز بجائزة واحدة ولكنه فوجئ بالجائزتين، وأضاف أنه يهديهما إلى شهداء الحركة المسرحية في مصر الذين فقدوا أرواحهم في حريق مسرح بني سويف، وعن سبب اختياره لموضوع قهر المرأة في مسرحيته «فوضى»، قال مازلت أرى أن المرأة مقهورة في مجتمعاتنا الشرقية .

ولم تحصل على حريتها، ولا أقصد الحرية بالمفهوم الكلاسيكي وإنما من منطلق أن تكون المرأة هي المركز والمحور، وقد اخترت في المسرحية مجموعة من النماذج للمرأة المكسورة في حياتها وأحلامها، وهى نماذج نراها في أي مجتمع عربي وليس فقط في المجتمع السوري.

وأرى أن المشكلات التي طرحها ال#عرض من خلال هذه النماذج والتي قد يراها البعض قضايا صغيرة هي التي تؤدي وتضع الأزمات الكبرى في حياتنا، والعرض به دلالات وإشارات لموضوعات متعددة تتيح للمتلقى أن يستقبلها حسب ثقافته ومرجعيته.

وعن إدانته للرجل في هذا العرض قال العمايري إنه يرى أن الرجل مازال يقهر المرأة ويعطيها بعض الحقوق كمنحة ولا يعطيها حقوقها وحريتها كاملة، وعن استخدامها للغة أقرب إلى الثرثرة الكلاب تعبر عن حالة الفراغ التي تعانيها النساء كما تعبر عن التكرار اليومي والملل في حياتهن.

وهذه النماذج المهزوزة الممزقة من السيدات لا يمكن أن تتحدث مثل الشخصيات السوية، والمسرح عندما يتحدث عن لغة الحياة لابد أن يعيد صياغتها ويقدمها المؤلف من وجهة نظره، ويضيف:أنا من خلال اللغة والحوار في العرض كنت أسعى إلى التأكيد على القضية التي أطرحها .

وهى الفوضى وعدم التواصل بين هذه النماذج المغتربية عن بعض رغم أن هناك مكانا واحدا يجمعهن إلا أن هناك انقساما بينهن نتيجة الظروف المأساوية والقهر الساكن داخل كل منهن من هذه الغربة وعدم التواصل قد تحمل دلالة أوسع عن شكل العلاقات داخل الوطن العربي، وعند اختياره للمطر كحل قدري لمشاكل واقعية قال العمايري:

إنني لا أرى أملا في الواقع ولهذا فضلت أن يكون الحل من السماء وبإرادة ربانية وهذا أمر ديني وثقافي يخضع لعالم الأسطورة ونحن في حياتنا عندما نفشل في أي شيء لا نجد حلا إلا الاتجاه للسماء والدعاء إلى الله.

وعن اختياره لممثلات العرض قال العمايري إن العرض يتطلب ممثلات ذوات طبيعة وقدرات خاصة، جميعهن يعملن معي لأول مرة باستثناء سلاف التي تعاونت معي في عمل سابق والحمد لله تأكدت من حسن اختيارهن مع بدأ البروفات لأن بروفاتي كما هو معروف عني تعتبر بروفات انتحارية نبذل فيها جهدا خارقا حتى تصل أحيانا لدرجة القسوة في التدريب.

وهو ما يتطلب اتفاقا غير معلن بأن تخضع جميع الممثلات لرؤية المخرج مع مرونة ووعي بما يقدمنه، وأحمد الله أننا نجحنا جميعا في توصيل رسالتنا إلى جمهور المسرح والنقاد، كما نجحنا في حصد جائزتين في مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي الذي يعد من أهم المهرجانات على المستوى العربي والدولي.

القاهرة ـ محمد هشام: