يعد صالح كرامة من كتاب القصة القصيرة في الإمارات الذين شرعت تجربتهم في منتصف الثمانينات بالنشر في الصحافة المحلية وتطورت هذه التجربة في التسعينات ومن الملاحظ ان صالح كرامة قاص متأن في كتابة القصة القصيرة، ومقل في انتاجها أيضا لذا ظهرت مجموعته القصصية (سهرة مع الأرق) في عام 2003م من اصدارات اتحاد كتاب وأدباء الامارات.

وهي متأخرة من بدء تجربته القصصية كثيراً، كما انه من الطاقات الإماراتية المؤسسة لفن المسرح، فقد ساهم في تأسيس مسرح الاتحاد في أبوظبي عام 1977م وشارك في الكتابة والتمثيل والاخراج للمسرح في الإمارات منذ عام 1984م. ان الاهتمام بشؤون المسرح في الإمارات وكتابة القصة القصيرة معا عند صالح كرامة يلفت الانتباه إلى علامة مهمة.

وهي ترابط الفنون مع بعضها البعض عند المبدع المحلي في الإمارات ومن هنا جاءت أهمية قراءة (سهرة مع الأرق) لصالح كرامة فضلا عن ان مجموعة القصص تلك لم تحظ بالدراسة أو النقد لدى الباحثين والمهتمين بأدب القصة القصيرة في الإمارات ونحاول في هذه القراءة استكشاف بعض النقاط المحورية التي ميزت هذه المجموعة.

تمثل النقطة الأولى في قصص (سهرة مع الأرق) تنوع السرد بين ضمائر الغائب والمخاطب وان كان ضمير الغائب هو السرد الغالب في قصص صالح كرامة وينسجم هذا الضمير مع طبيعة قصص المجموعة المرتكزة على ذاكرة الماضي بما حدث من ذكريات وأمكنة للحي الشعبي وأزقته وبيوته القديمة، وارتباط عميق بالبحر كونه قيمة مهمة في القص عند كتاب الإمارات، وعلاقات حميمة بين أبناء الحي الواحد في الماضي.

فمثلا في قص «سطو» التي تعتمد على ضمير الغائب للسرد تكثر فيها صيغ الماضي على امتداد لغتها القصصية ومنها صيغة الفعل الماضي الناقص «كان»، في هذه الفقرة القصيرة المقتطعة من القصة: «كانت قطعة الشاطئ تحملنا بعيدا، ونحاول نحن أن نخيطها بالبحر.. ص74. مع ملاحظة الارتباط العميق بالبحر في هذه القصة.

وأما النقطة الثانية في قصص صالح كرامة فهي متعلقة بالشخصيات القصصية ومنها النهاية السوداء المؤدية إلى الموت، وكأن القاص يريد التخلص من هذه الشخصيات، فيقذف بها إلى الموت دون أن يقتنع القاريء بذلك في بعض القصص، فشخصية «جمعة ربيع» في قصة «نافذة على القمر» تسكن في العريش قريبا من البحر، مع أن البحر قد ابتلع زوجته أمامه حتى تظهر هذه الزوجة من القمر وتحط في البحر، وتنادي على جمعة حتى يلحق بها إلى حد ان يموت هو الآخر في البحر!

وهو نفس المصير الذي يلاقيه تاجر الدقيق في قصة «الرابية» عندما يحب الفتاة الغجرية «ليمو» فتهرب معه إلى بيته الشاهق في المدينة، فتأتيه طعنات الغجر في الليل، فيموت وفتاته. فلماذا يعتمد القاص على نهاية سوداء مغلقة في قصصه!

النقطة الثالثة تشكل نوعية الشخصيات في قصص «سهرة مع الأرق» فهي منتزعة من الناس البسطاء في الحي الشعبي ماعدا شخصيتي تاجري الدقيق، والتاجر المفلس عبيد في قصتي «حلمة الرابية» و «تسليف» فتحضر شخصية الطاهي البسيط في حفلة الزواج وأرقة ولهيب النار في قصة «سهرة مع الأرق» وكذلك شخصية عامل النظافة «جمعة» ووحدته في قصة «بعد فوات الأوان».

والنقطة الرابعة في قصص «سهرة مع الأرق» تؤميء إلى لغة القصص عند صالح كرامة، هذه اللغة القصصية التي تأتي قصيرة ومكثفة في جملها ومفرداتها في بعض القصص، مثل قصة «سهرة مع الأرق» الموجزة بحريق الطاهي وفرحة ليلة الزواج، في هذا السياق يقول القاص:

«أنت وقدرك الضخم والموقد في تلك الليلة بالمطبخ جزء من الحرارة، كان يصدر من جوفك زفير باتجاه النار ويموت في طريقه، يومها كان الصيف حاراً والموقد حاراً أيضا».

«..وانكفأ قدرك اليتيم في المكان على رائحة الاحتفال..»

تدل الفقرتان السابقتان على ان لغة صالح كرامة في القص تتكأ على مثل قصة «يوم من عمر الفرح» فاللغة في هذه القصة ذات نفس طويل، بعيد عن الكثافة التي تميز فن القصة القصيرة، ومن الملاحظ أن القاص استخدم حوارا مطولاً في هذه القصة، يذكر القارئ بأثر الحوار المسرحي.

والمسرح الذي عنى به صالح كرامه عناية واضحة وكأن شخصية «أم سند» تجلس على خشبة المسرح وتحكي لجاراتها عن علاجها في الخارج، وليست شخصية قصصية «في يوم من عمر الفرح».

من خلال هذه القراءة، نكشف ان قصص «سهرة مع الأرق» متفاوتة في الجودة الفنية ولغة القص، وتؤكد على عمق الارتباط بالبحر والحياة المتأخية في ظله، ووجود وشائج بين القص والمسرح عند الكاتب الإماراتي صالح كرامة.

فاطمة السويدي