على الرغم من التأثير الطاغي للصورة البصريّة المتحركة وما يرافقها من مؤثرات سمعيّة، تبدو عاجزة عن منافسة الصورة المُشكلّة في الذهن، بتأثير القراءة أو الاستماع الشفاهي. قصور الصورة الأولى وبرودتها وتأثيرها الآني في المتلقي، وقدرة الصورة الثانية على التوهج والتفاعل والإمتاع وديمومة التأثير، في ذاكرة وإحساس المتلقي، ظاهرة جديرة بالبحث والوقوف عندها مطولاً.
خاصة وأن الصورة الأولى المنقولة عبر التلفاز أو الحاسوب، بدأت تعزز حالة من العطالة الذهنيّة، والكسل التخيلي والجسدي، بينما لا تزال الصورة الثانية، تفعل فعلها في خيال وإحساس المتلقي، ومانحة إياه متعاً عميقة وجميلة وخلاقة !!.
لقد حملت وسائل الاتصال البصري الحديثة إلى المتلقي، خيارات عدة، لطرق تناول الصورة الأولى وزمانها ومكانها، ما خلق لديه المزيد من العطالة الذهنيّة والجسدية، آيلة إلى التصعيد والتكريس والخطورة، بازدياد سطوتها عليه، وجرفه للتعود عليها، وإدمان التعاطي اليومي معها. لقد باتت الصورة البصريّة تأتي إلى المتلقي في بيته ومكان عمله وتنزهه، بمجرد أن يكبس على زر صغير، بينما الصورة الذهنية بحاجة إلى ساحة واسعة من القراءة أو الاستماع والتخيل.
الصورة الأولى تأتي وتذهب بسرعة، والثانية تتشكل ببطء في الذاكرة، وقد تحتاج إلى جهد وحركة لتأخذ كامل تفاصيلها وعناصرها، ما يجعلها تدوم وترسخ. في حالة الصورة الأولى الجاهزة، وبفعل العادة والتعود وسهولة أخذها، تطبق على المتلقي حالة من العطالة الذهنيّة والبدنية، لها تداعيات مرضيّة فرديّة واجتماعيّة عديدة،
إذ سرعان ما تحوّل المتلقي إلى جهاز تابع ولصيق بالأجهزة التي تُحضرها إليه، وشيئاً فشيئاً، تجعل منه متلقٍاً سلبياً، يسكب فيه الآخرون ما يريدون، وبالشكل الذي يريدون، دون أن تكون له القدرة على الرفض أو الاحتجاج، ما يجعلنا أمام نوع من الإدمان، لا يقل خطورةّ وفتكاً في عقل المتلقي وبدنه، عن الكحول أو المخدرات.