مبدعو مصر في أزمة مع القصة القصيرة
خيري شلبي:
هناك وهم ان الرواية ارتقاء بالكاتب
سليمان فياض:
عملت في التدريس ربع قرن وتعطلت كثيراً عن الإبداع
القاهرة ـــ سيد رزق:
منذ مقولة جابر عصفور إننا نعيش زمن الرواية، والسجال حول مكانة الشعر لم ينته بينما توارت القصة القصيرة على خريطة إنتاج الأدب في مصر ولا أحد يدافع عنها وكأنها بلا وجود، ترى أين القصة القصيرة؟ هل تراجعت؟ أم ان اهتمامنا بها هو الذي تراجع؟ وأين روادها من الستينيين الآن.. إبراهيم أصلان ومحمد البساطي وخيري شلبي، مروراً بجمال الغيطاني و يوسف القعيد ومحمد المخزنجي وأحمد الشيخ حتى الكتاب الجدد في الساحة؟
الروائي خيري شلبي يعترف بأهمية التحقيق ودقة الملاحظة.. قائلاً ان القصة القصيرة من أهم الفنون درامياً، وهي توازي الشعر في كثافتها وصياغتها.. وفي يوم من الأيام سئل يوسف ادريس عن معنى القصة القصيرة، فقال: إنها لقطة سريعة خاطفة.. ذات عمق محفورة في الوجدان.. يوسف ادريس خلق تياراً في القصة القصيرة يوصف بالمصرية الصميمة على غرار تيار تشيخوف في روسيا، وادجار الآن بوفي أميركا وخلق معه أيضاً تيار من كتاب القصة القصيرة نبغوا في هذا الفن أمثال: يحيى الطاهر عبدالله، بهاء طاهر، وإبراهيم أصلان، ومحمد البساطي ولا أعرف لماذا أصابهم الاحباط واتجهوا الى الرواية، رغم أنهم أبدعوا في القصة القصيرة. هناك وهم أن الرواية ارتقاء بالكاتب، وهذا ليس صحيحاً، فالكاتب الكبير حقاً هو من بمرحلة كتاب القصة القصيرة. لكن أنا أعرف أن دور النشر قد غذت هذا الوهم برفضها نشر المجموعات القصصية قدر اهتمامها بالرواية فتحول كتابها الى روائيين.
ويرى الأديب أحمد الشيخ : ان صوت القصة القصيرة لم يخفت.. لأن كم المنشور أقل بكثير جدا من كم الإنتاج، وذلك لتقلص المساحات المتاحة للنشر.. في مرحلة يوسف ادريس كانت هناك مجلات »ابداع ـــ الكاتب ـــ والمجلة، وكانت تفرد مساحات واسعة في صحف »الأهرام« و»المساء« وغيرها.. وكان هذا تحديداً لكل قاص لكي يطور أدواته ويقترب مما يريد ويتعمق فتقلص المساحة المتاحة للنشر نتج عنه التفات الى فن آخر، القصة القصيرة لم تفقد ضراوتها أو فتيا نها وما زال جيل الستينات يكتب القصة القصيرة. لكن المتاح للنشر.. مساحة ضئيلة جداً. مما أرجعنا الى الوراء.
ويقول القاص والروائي خيري عبد الجواد القصة القصيرة شيء مهم جداً وجميل لكنها لا تشبعك لذا أنا أفضل الرواية. صحيح تحتاج لمجهود أكبر وفترة استعداد أطول وقراءات في أشياء معينة، واستقرار، لذا يبدأ الكاتب بالقصة القصيرة وينتهي بالرواية، في الفترة الأولى لا نكون مستقرين، نبحث عن عمل وزوجة وأسرة.. الخ وحياة مستقرة والقصة القصيرة لا تحتاج الى الاستقرار، تكتبها في الشارع أو على مقهي، كثيرون بدأوا حياتهم شعراء يكتبون على ورقة في الشارع، أما الرواية فتحتاج الى تركيز و مكان مغلق تماماً وتكون منسحباً ومتوحداً مع نفسك.
أضف الى ذلك ان الرواية فيها اشباع لأن القصة القصيرة تستطيع أن تنظر الى العالم من ثقب الباب وبالتالي أمامك زاوية ضيقة جداً ولا تستطيع مشاهدة الجوانب الأخرى أنت تشاهد الذي أمامك وما يتاح لك. بينما الرواية تستطيع من خلالها أن تشاهد العالم كله وكل الفنون من مسرح ومزيكا. الخ كل هذا تستطيع أن تستخدمه في الرواية كذلك عنصر الزمن فالقصة القصيرة لحظة مكثفة جدا وهذه الفوارق تجعلني أميل الى الرواية.
الكاتب ادريس علي يرى أن القصة القصيرة هي فن الصعب الممتنع كما عرفناها عند تشيخوف ويوسف ادريس وغيرهما لأن ما ينشر الآن بالصحافة نوع من العبث والاستسهال وفي تصوري أن القصة أصعب أنواع الابداع فهي تحتاج الى التكثيف والتركيز وليس القول أو الحكي انما هي فكرة أو ومضة . وهناك قصص قصيرة جدا مازالت محفورة في ذاكرتي، وتأثرت بها في بداية مشواري مثل »نظرة« ليوسف ادريس و»ممنوع قطف الزهور« لمسعد قاسم عليوة و»الجاحزون« لمجيد طوبيا وهذه نماذج للقصة القصيرة المكتملة.
ويضيف: أنا بدأت بكتابة القصة كنوع من التدريب وكنت أكتب قصة في شهرين في حين كان ابراهيم فهمي يكتبها وهو يشرب فنجان قهوة. الآن اختلط الحابل بالنابل وأصبح المناخ العام طارداً للمواهب والكثير مما يكتب لا علاقة له بالكتابة الأدبية والمأساة أن كل المدعين شعراء وكل الصحفيين كتاب قصة قصيرة وكل النقاد يكتبون ويهتمون بالرواية، فالمجد الآن للرواية ولتذهب القصة القصيرة وكاتبها الى الجحيم.
ويشرح الأديب »سليمان فياض« أزمتة مع القصة القصيرة، فيقول: »إن من أصعب مشاكل القاص أنه لا بد أن يسعى على رزقه؛ والقصة لا يمكن أبدًا أن تضمن له الحد الأدنى من المعيشة؛ فأول التحديات عدم تفرغ القاص وتمزقه بين أدوار مختلفة في الحياة«، لقد اضطررت للعمل مدرسًا لمدة 24 عاماً؛ وهو ما عطلني كثيراً عن الإبداع، والمشكلة الثانية التي تواجه المبدع، تتمثل في النشر؛ حيث لا يجد القاص مَنْ ينشر له؛ لأن ذلك لم يعد ـــ حقيقة ـــ مجديًا، بل يؤدي لخسارة الناشر خسارة فادحة، والمشكلة الثالثة مسألة القراءة؛ فهي شيء صعب جدًّا في هذه الظروف؛ حيث تتراجع أعداد القراء دومًا... إن كتب نجيب محفوظ كان في الستينيات يطبع منها سنوياً عشرة آلاف كتاب، تراجع هذا العدد الآن إلى أقل من 1000 نسخة سنوياً، وإذا كان هذا هو حال كتابات نجيب محفوظ؛ فما بالك عن هم دونه شهرة.
خيري شلبي
سليمان فياض