بحلول الألفية الثالثة دخلت البشرية منعطفا جديدا، حدوده: العولمة والحروب عابرة القارات، القتل المجاني والكوارث والمجاعات... منعطف غامض يخطّه الجشع، وتحرّكه العقول الذكية والاستنساخ، انفتحت معه صفحة من صفحات تاريخ مظلم أول عناوينه الخوف والدمار واليأس.
وفي روايته الجديدة «ثادريميس» صوّر الأديب السوري الكردي سليم بركات هذا المنعطف بأسلوب فريد استعاض عن تفاصيل الواقع والدلالات المباشرة بأدوات فنية خالصة قوامها الخيال الخصب واللغة الشفيفة التي هي أقرب إلى الشعر بكثافتها وصياغاتها الرشيقة، وأقرب إلى الفلسفة بعمق أمدائها.
صدرت هذه الرواية الجميلة، المحكمة الصنع عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، وتتوزع صفحاتها التي لم تتجاوز التسعين في عشرة فصول هي: الفجر الرابع، صرير اللسان المعدني، إله اليوم الواحد، الختم، ولاء اللون، عودة الحجر إلى خياله، إلهي أيها السهل، العنكبوت البابون، ذبابة الوجود، وبحر هيلا كريتوثينيس، وكل فصل من هذه الفصول يحمل حكايته المستقلة التي تكشف جانباً من جوانب الفضاء الروائي،
وتنضوي على لغز سوف يكون مفتتح الفصل التالي ومبرر اكتماله، وزمن الفصول لا يخضع للتتابع التسلسلي، بل يتشظى في ارتداد وعودة حسب الأسئلة التي يصوغها كل فصل على حدة. ينفتح المشهد الأول في الفجر الرابع على العقبان والكلاب، وهي تنهش الجثث التي غطت هضاب أرض ثاروس بعد حرب طاحنة حصدت البشر والدّواب، ولم تبق غير مقاتلين جريحين ومنهكين يتوعد كل منهما الآخر بالقتل،
ويكشف الحوار الدائر بين الشخصيّن أن الحرب قامت بسبب رفض هيكو منح أحد تماثيلها لثاروس، وبينما يتحاور الطرفان تعّبر التماثيل المعدنية بين الجثث متجهة نحو الشمال حاملة معها أول ألغاز الرواية، وينتهي الفصل بموت آخر كائنيّن بشرييّن من الشخوص الروائية، وفي حين تشير الفؤوس والتروس المستخدمة في تلك المعركة إلى أكثر الأسلحة بدائية،
فإن التماثيل المعدنية المتحركة والناطقة هي أشبه بالروبوتات الأكثر تطورا، وانطلاقا من هذه الخلطة الغرائبية يبدأ الفضاء الروائي بالتشكّل وصوغ ملامحه وهويته المميزة ممتدا ما بين منطقة ثاروس (حدود السماء) ومنطقة هيكو (محمية الروح وآخر منابت العمران) وهذا الفضاء الافتراضي الذي يشمل الأرض من أولها إلى آخرها، هو فضاء متخيل بكل تفاصيله وأحداثه وشخوصه،
يحمل بين طياته حضارتين مختلفتين بكل ما فيهما من أنماط عيش وتقاليد ومعتقدات وفنون، وينهض وفق منطقه الداخلي وقوانينه الناظمة ومفرداته الخاصة القادرة على إنتاج عناصر التشويق والجذب، وتشييد مجال إشاري واسع الدلالات، قابل للانزياح والإسقاطات المعاصرة وتعدد القراءات.
أرض ثاروس يحكمها يورابات، وتقوم حضارتها على صناعة النسيج: النول وفنون الحياكة والتلوين، وهي فنون يمارسها جميع الأهالي بما في ذلك الحاكم، وفي تقاليدهم ألا يباشروا العمل وفق تصورات مسبقة وإنما أن يتركوا لأيديهم حرية التجاوب مع الأحاسيس والأمزجة والأفكار، وفي معتقداتهم أن «الصباح أبدا شفيع الغريب»
وأنه «كل يوم يختار الفرد الواحد الناضج في ثاروس إلها مختلفا بالميل الذي في مزاجه ذلك اليوم، قد يختار المرآة أو الباب أو الخاتم أو الهواء أو الرمل أو الماء...أو الشخص الأقرب إليه، وهو اختيار يلزمه الولاء بعقله ويقينه وأمله ويأسه..» (ص23).
أرض هيكو يحكمها ميناذي وحضارتها تقوم على العلوم المحفوظة في قلب ثمانية تماثيل، والتماثيل هي: «مخلوقات من معادن كثيرة حين ينجز النحاتون هيئاتها مجسمة، تتحرك وتنطق، فيعلمها المختصون مبادئ العلوم الصعبة، وتتولى هي بأنفسها من ثم توليد أسرار من تلك المبادئ البسيطة وتوسيع خصائصها، التماثيل وحدها تصير مرجعا في شؤون العقل العميقة، الفلك، الألغاز، السموم،
تصنيف الزمن، حفظ التواريخ» (ص26) ويعتقد أهالي هيكو: «أن النهار مزدوج اليقين، والليل حرّص الصور على حيادها» وتشير تفاصيل الرواية إلى أن هاتين الحضارتين قائمتان على أسس ديمقراطية، ففي إيوان يورابات وسرايا ميناذي يجتمع الحكماء والمستشارون لتسيير شؤون البلاد.
محرّك الأحداث الأساسي في الفضاء الروائي ليسوا البشر، وإنما تماثيل هيكو الثمانية، وأولها ثادريميمس، عنوان الرواية، سبك البرونز، ابنة الصلب المجوف كطبائع الناطقين، التمثال الأنثى النحاتة التي تعتقد أن البشر هم «خلائق الخوف، نزوع الخوف إلى الخوف، رعاة الخوف، حكايته، أمله، إدلاؤه، شؤونه، حيلته، أزله وأبده» (ص72)
حدث التحوّل الذي قلب حياة هاتين المنطقتين رأسا على عقب، هو وقوع ختم الحاكم يورابات في يد أحد المغفلين الجهلاء (جاجيليو) الذي حلمه إلى أرض هيكو طالبا من حاكمها تمثال ثادريميس، بعدها بدأ التوجس والشك والاغتيالات، وبدأت الغارات والحروب بين كلا المملكتين لتقضي على جميع البشر، وتبقي على التماثيل التي «قدّمت ولاء الشكل الصلب للعراء الممتد بلا نهاية تحت سماء مسحوقة فرسخا فرسخا في جرن الأرض الأكثر عمقا من السماء،
من هناك شقّت طريقها باستقامة بعد طواف دورتين حول صخرة كيكيل المثلثة، صخرة ـ الذاكرة الكبرى للنسيان العريق ـ » (ص86) وبعد عبور البرزخ الفاصل ما بين السماء والأرض لم يبقَ من التماثيل إلا: ثادريميس داعية النسيان، وسيلوبو مدرّب النحل على اقتفاء زهر الليل، ولامينا داهية ابتكار السموم، لم يبقَ غير هؤلاء يقفون أمام مياه العدم في مشهد النهاية.
تهامة الجندي