كأن اللحظة التي يقبض عليك بها المصوِّر «جامصاريان» حين يصوِّرك، هي لحظة تعيد الاعتبار لنقطة ميتة فيطلق فيها حرارة الحياة.يقول: أنا أحاول حين أصورك أن أمسك بالفكرة التي في عينيك قبل أن تسرح في الفراغ. وجامصاريان هذا، لم يدرس في أكاديمية.

لقد قدم والده من تركيا إلى حلب عام 1922 في هجرة قرية، واشتغل «كهربائياً» في فندق «بارون» الشهير الذي ينزل فيه السياسيون والأدباء من مثل «اجاثا كريستي» التي كتبت فيه قسماً من روايتها «جريمة في قطار الشرق السريع».

يقول جامصاريان: ولدت في حلب عام 1928، ولما دخلت احدى مدارسنا التي تشكلت في حلب، أول ما سمعت من اساتذتنا كان قول بعضهم لنا: السوريون طيبون، والزعيم إبراهيم هنانو هو الذي ساعدنا على المجيء إليها ـ لقد قال: أهلاً بالأرمن في سوريا. بدأ جامصاريان التصوير عام 1944 بعد أن تعلم على يدي المصور «آردو» في محله بجانب سينما «رويال» التي صار اسمها فيما بعد سينما «حلب».

ثم انتقل إلى العمل مع المصور «نوبارصباغيان» فالمصور «ديرونيان» ثم في عام 1960 عمل مع المصور «فاروج» ثلاث سنوات، ليفتح محلاً في حي العزيزية ويبقى به حتى عام 1980. حيث انتقل إلى محترفه الذي بشارع اسكندرون والذي زاره في الكثير من الأدباء والمفكرين والفنانين، ليأخذوا عنده «صورة» تذكارية لهم. فسمعته طبقت الآفاق، مصوِّر ما بعده مصوِّر، وكأن صورته فيها دواء يشفي ـ ربما يشفي من الموت.

يقول جامصاريان: أنا لا أفعل شيئاً للصورة، أنا أعزف موسيقا، أنا عازف كمان ماهر وأعزف سماعياً، ما أفعله مع الكمان أفعله في الوجه. فما من وجه إلا وفيه إشارات، نغمات تراها تملأ الفراغ، بل تندفع منه لتشكل لي الوجه فأصوره ـ فلا أعود أرى إلا الضوء، وكأنه لؤلؤات يشرقن مثل شموس في الفراغ فتولد الصورة.

في عام 1973 زاره أحد أعلام حلب؛ شيخ بجبة وعمامة ولحية. وعندما طلب إليه أن يصوره، شعر كأن في صوته سراً ربانياً، وكأن لؤلؤاً يشرق من وجهه. يقول جامصاريان: فصورته ولم آخذ منه أجرة، كنت أريد أن أكافئه لأنه جاء ليتصور عندي. إنه الشيخ (عبدالله سراج الدين) وحينها لم أكن أعرف مقامه، وجهه كأنه قطعة ـ كتلة ـ شديدة البلاغة تحار كيف تصورها.

وكأن المصور جامصاريان يبحث عن معلومة في الصورة يريد أن نتصل بها، أن نصل إليها دون أن نرتكب أخطاء إملائية وأخرى لغوية، أو نتلعثم ونحن نقرأ الصورة. ففي صورته لـ (بول ماتييه) عالم الآثار الإيطالي الذي اكتشف (إيبلا) جنوب حلب 60 كم، كأنه نحت له (بورتريهاً) وقد أزال عنه كل قناع، ولم يبق إلا الأفكار بعد أن أزاح عنها العاطفة التي تلينها حتى نقلبها ونتداولها،

فترى (ماتييه) وكأنه ينتشي بما عرف، بما وصل إليه من معرفة مغمسة بنهر عبقر، وقد قبض على فكرة جهنمية، على اكتشاف جديد! بينما في صورة (حنا مينا) الروائي السوري، فنحن مع صورة نمطية، تداولها شائع ـ في (بوز) ـ في حركة متفق عيها. فكف يده اليسرى تلامس جبينه ملامسة فيها أناقة وصناعة. جامصاريان يرى أن نقرأ عينا «حنا مينا» ثم أرنبة أنفه وطرف أذنه، فالأفكار لا تولد عارية.

هنا في الصورة؛ الفكرة يمكن أن تتفتح وتنمو. جامصاريان في الصورة التي للفنان التشكيلي اللبناني (بول غيراغوسيان) حاول أن يصنع حدثاً وليس فكرة كما في صورة حنّا مينا، فيعرض عمارة تشكيلية فيها نحت وتصوير. اللقطة ربما تكون عارية ومتوقعة، لكنها تحمل متتاليات إيقاعية كأنها صورة ترسل علامات.

يقول جامصاريان: كنا سنصطدم أنا وبول غيراغوسيان في محترفي عندما أجلسته على الكرسي لآخذ له هذه اللقطة، إذ تدخَّل في عملي، وقام بإعطائي تعليمات فرفضتها وقلت له: أنا الآن أرسم لك (بورتريهاً)، أحوِّلك فيه إلى حجم ذي مغزى نحتي. فقال لي: لا تؤاخذني.. أنا أختبر قوة شخصيتك.

بينما الفنان التشكيلي فاتح المدرس عندما رأى صورته، وكنت أرسلتها إليه، كتب إلي يقول: دهشت عندما رأيت وجهي في أعمالك الفوتوغرافية. لقد أظهرت من نفسي ما كنت أخفيه دائماً عن الناس. إنها قوة، إلا أنها قوة إنسانية لا حيوانية مع عميق شكري لك.

تكوين تشكيلي أوَّل ما تحاول أن تبينه في الصورة الفوتوغرافية ـ هي أكثر من لقطة. فاتح المدرس اكتشف سردية تشق السكون الذي في الصورة، رغم أنها ليست صورة سينمائية أو مسرحية ـ صورة خالية من الكلام ـ الصورة هنا هي ملاذ جديد للنفس، ملاذ فيه إدراك مكاني زماني تكتشف فيه ذاتها.

تماماً مثلما اكتشف فيه جامصاريان ذات الممثل السوفييتي من أصل أرميني (فلاديمير ميسريان)، الذي زاره في محترفه، وأخذ له هذه الصورة. فلاديمير الذي قدّم شخصية عازف الكمان الذائع الصيت باغانيني في المسلسل المشهور. يقول المصور جامصاريان: وجه فلاديمير فيه تكون موسيقي ـ أي الصورة، اللحن الأخير كما يجب أن نعزفه أو نغنيه، ذلك رغم قسوة الخطوط والسطور التي في وجه صورته تبدو متماسكة، لكنها غنية بالإشارات، بالتعابير.

بعكس الصورة التي صورتها للممثل دريد لحام، والذي ترى في وجهه روح المرح ـ وجهه يصلح لأن يرسمه (روبنز) مثله أيضاً وجه الشاعر حسين درويش. وهذا لا يعني أنني أريد أن أمحو من صورتيهما. بالعكس فوجهاهما أعطياني إحساساً بالطمأنينة، فثمة ضوء يشع منهما، فيجعل سطح الصورة مرئياً، خاصة وأني صورتهما بالأبيض والأسود، بالضوء والظل.

في مثل هذه الوجوه لا توجد ممالك ـ أزمنة وأمكنة مجهولة ـ هي وجوه مرحة على طول، ودون أن تخفي حزمها وأفكارها المتقدة حماسة وتغيراً. وكأن جامصاريان يريد أن يثقف الصورة. ولِمَ لا؟ عندنا قدرتنا البصرية، والصورة هي خطاب أول ما يكون بصرياً.

حتى ان إحساسنا بالحياة هو إحساس بصري، وهو الذي يشكل ثقافتنا التي تبدأ من المعلومة التي تتدرج في مراتبها حتى تصير ما تصير، إلا أن تصير (جنرالاً) ولحظتها سنحتاج إلى حرب كي نمحو الصورة لنرسم، لنصوّر على أنقاضها تلك الصورة. وأي صورة، التي فيها قوة حدسية لا شعورية تقودنا إلى نتائج نمارس فيها إنسانيتنا دون أن يحاكمنا أحد.

انور محمد