بعد 25 سنة من التسابق لعرض الجديد والمميز في دنيا التكنولوجيا، استطاع معرض (جيتكس) دبي أن يؤسس لثقافة مطلوبة في تقنيات المعرفة والمعلومات، وهي معرفة جديدة تدمج الوسيلة بالأسلوب،وقد تتدخل في التحليل والأرشفة والتدوين والرصد ..
وهذه الابتكارات التكنولوجية لم تعد مجرد أدوات لمساعدة المثقف للوصول بسرعة إلى مصادر المعرفة، بل تطورت لتصبح (الشكل) الذي يحدد علاقتنا بالمادة المعرفية، والشكل عادة مظهر مخادع، ففي بعض المدارس النقدية يتم التركيز على المعنى ونسيان الشكل، وفي مدارس أخرى يتم تبجيل الشكل باعتباره الهيكل والأساس للمعنى، أي أن الشكل هو الذي يحدد المعنى، وهو ما يحدد أيضاً طريقة استقبال القارئ لنص المعنى..
في جيتكس 2005، كانت الأشكال التكنولوجية الجديدة كثيرة ولا تحصى، لكن الأهم هو اندفاع الشركات الكبرى إلى اقتحام مجالات الثقافة بكافة أشكالها، وعلى سبيل المثال تخطط إحدى الشركات لتقديم مناهج التعليم بداية من الابتدائية على أجهزة الكمبيوتر، وبدلاً من الكتاب الورقي والمعلم والعصا، سيتاح لطالب مادة اللغة العربية ان يقرأ، وأن يستمع لقصائد الشعر في المنهج بأصوات سليمة، مع برامج مرافقة في الصرف والنحو وبعض القواميس..
وكذلك الحال مع مواد أخرى مثل التربية الدينية والتاريخ وغيرها. ومن وجهة نظر خاصة تبدو هذه الوسائل أكثر دقة وأجود في أسلوب التعليم والتلقين والحفظ، وربما تقضي مستقبلاً على مهنة المدرس! ومن شأنها لو أحسن استخدامها ان تحدث نقلة نوعية كبرى في كيفية التعاطي مع اللغة والتاريخ. وخلق أجيال قادرة على امتلاك المرجعية العلمية المطلوبة لتطوير اللغة العربية وتحريرها من الجمود والخوف لكي تستوعب كافة المعارف العلمية اليوم.
وكان في جيتكس أيضا وسائل أخرى مذهلة تخدم الفنانين والشعراء والبحاثة والراقصين وكل من يرغب بتطوير مهاراته الموسيقية، وابتكارات مطورة بالمئات للصحافيين ودور النشر وهي كلها متاحة لتثوير أساليب الإبداع في أسلوب التعاطي مع القارئ ومع مادة الإبداع التي ننتجها.
منذ سنوات، انتقل إنتاج ونشر الثقافة من الورق إلى الفضاء الالكتروني، وهو انتقال في الشكل والأسلوب، لكن المضامين العلمية والإنسانية الكبرى، وان تبدلت الاشكال، تظل خارج تخوم أي شكل لأنها تنتمي إلى المطلق والمجرد، وقصائد المتنبي التي تردد صداها في ماضي الصحراء العربية لقرون، تعود اليوم لتصبح بالصوت والألوان والصور المرافقة ويتردد صداها في حدائق التكنولوجيا .. وستظل الاشكال تتغير باستمرار، والمعاني ثابتة وتتجدد مع تجدد القارئ ووسيلة التلقي.
akhozam@yahoo.com