في الصالونات الأدبية والثقافية والاجتماعية والإعلامية، وفي أحيان كثيرة في الصالونات السياسية ورجال الأعمال، تحتل هيفاء وهبي، بغيابها أم بحضورها، الموقع المتقدم في الحكايات والأخبار والتنكيت والفضائح. هي محطة يبدأ الحديث منها ـ الضيفة الدائمة ـ كان يسأل أحدهم: هل سمعتم آخر نكتة عن هيفاء؟ وينجر الحديث إلى الأزمات السياسية وتحقيقات ميليس ورئيس الجمهورية واجتماع نيويورك..

لكن بين فصل وآخر، هي الهيفاء، إليها الكلام أو عنها، وبها ينتهي اللقاء إلى موعد آخر. ظاهرة فنية اجتماعية إعلامية، هذه الهيفاء، التي انطلقت من جمال آسر وطلة مثيرة وأنوثة فياضة.. هذا ما كانت تمتلكه منذ إطلالتها الأولى، ولم تزل، كلما تقدم بها العمر، تمتلك هذه الكنوز دون غيرها من المواهب الفنية.

هيفاء تدرك ذلك جيدا. ليست فنانة بالشروط الكلاسيكية المعروفة. ليست مطربة ولا مغنية قياسا على صوتها الفارغ من كل نوتة موسيقية سوى الإغراء الأنثوي الطاغي. ليست ممثلة تعلمت تراجيديات شكسبير وكوميديات موليير، ولا درست في استديوهات لي ستراسبورغ صانعة النجوم. عفوية أمام الناس و«تتلخبط» أمام الكاميرات.

حققت الهيفاء بعض أحلامها الكثيرة، لكنها في إصرارها على التحدي كشفت من حيث لا تدري، أو تدري عن سابق إصرار وتصميم، وهي الذكية بالفطرة والخبيرة بالممارسة، عقم مجتمعاتنا، ذكورا وإناثا، كبارا وشبابا ومراهقين، واستعداد هذه المجتمعات على تقبل كل ما يأتيها من الصور والأفكار، طالما أنها تلبي رغبات أبنائها ونزواتها.

ربما يأخذ البعض علينا أننا في مطالبتنا بـ «هيفاء» فنية مفكرة مبدعة ومؤثرة، عادي الجمال ونرفض طلاته على الشاشة الصغيرة. ليس هذا ما نهدف إليه، لكننا بالتأكيد لا نهدف إلى زرع الابتذال لنحصد الانحطاط كما يحصل على غالبية شاشاتنا الصغيرة، وكما نلمسه في سلوكيات كبارنا وصغارنا، حتى صارت هيفاء وهبي شعارا على كل شفة ولسان،.

هنا أعود بالذاكرة إلى نهايات خمسينات القرن الماضي، حيث أطلق المخرج الفرنسي روجيه فاديم شريطه المثير والإشكالي «وخلق الله المرأة»، وخلق منه بريجيت باردو التي تحولت في لحظة عين إلى قبلة أنظار الشباب والمراهقين، وتحمل على صباها الرائع نجاح عدد من الأفلام احتوت الكثير من الإثارة،

إنما الأكثر من موهبتها المتطورة سريعا بين شريط وآخر، من مجرد جسد يضج أنوثة إلى روح تتفاعل مع الأحداث وتؤثر فيها وبالمشاهدين، وبالتالي، أدى الجسد دوره والروح دورها، ما جعل النقاد يتحدثون عن الفنانة بريجيت باردو، وليس عن عريها وإثارتها.

وكما بريجيت باردو، كذلك الهوليوودية مارلين مونرو وفي الفترة نفسها، وقد وصفت منذ إطلالتها الأولى بـ «قنبلة الإغراء»، وهي الخارجة من عذابات أليمة صاحبت طفولتها ومراهقتها وبعض شبابها. لكن مارلين أبت أن تستقر شهرتها على جسد قابل للترهل بين سنة وأخرى، وأصرت على أن تكون الفنانة التي تختارها هوليوود لكفاءتها، وهذا ما حصل حتى اقترنت بالكاتب اليساري أرثر ميلر الذي شكل وما زال أحد أكبر كتاب أميركا للسينما والمسرح.

طبعا، هناك أسماء كثيرة غير بريجيت ومارلين انطلقت من الإغراء إلى الموهبة، وإن كانت شروط الممثلة الجيدة، أكانت تمتلك «حرير الجمال» أم «حديده»، أن تجيد كل الأدوار التي تسند إليها. غير أن ما يلفت النظر بين هؤلاء وهيفاء وأمثالها على الشاشات العربية، أن هيفاء لم تتقدم خطوة إلى الأمام لتمتلك موهبة الفنانة، حتى لو أشيع عن ترشيحها لدخول هوليوود، أو اختيارها سفيرة الـ «بي.بي.سي»!

وربما احتلت موقعا متقدما أكثر، لكنها بالتأكيد لن تقنع أحدا، أقله في حالها الراهن، أنها فنانة الأدوار الصعبة والخفيفة على السواء، ولا هي بالتأكيد مطربة ولا مغنية. يكفيها أن تؤدي الأنوثة بأحلى آهاتها الصوتية وتجلياتها الجسدية، على ما يدخل هذه الآهات والتجليات من عمليات تجميل وترقيع تبدع الوسائل الهندسية والتصويرية في التقاطها من أحلى زواياها وحيث الإثارة تبقى سيدة الشاشة، كما هيفاء سيدة «الوادي».

وشاشة المؤسسة اللبنانية للإرسال عودتنا منذ حوالى الثلاثة أشهر على صورة هيفاء تطل عصر كل يوم على مشاهديها أكثر أنوثة وجمالا، حتى في ثيابها القروية العادية. إنما صورة هي اقرب لفتاة لم تحفظ درسها جيدا، ولن تحفظه طالما أنها تتعمد الابتعاد عن الإثارة، منها إلى صورة الفنانة تحمل قدرا ما من موهبة الصوت والحركة.

وخلال هذه الفترة تمكنت صورة هيفاء من الفوز بإعجاب المشاهدين، خصوصا المراهقين والصبايا، وإذا كان لا بد، بعض الرجال الناضجين الذين يحاولون التعويض بالصورة الجميلة عن واقعهم. ومن الواضح أن صورة هيفاء ليست موجهة إلا إلى هؤلاء وهي تعرف هذا جيدا.

ولو كنا ماكيافيليين بما فيه الكفاية، لافترضنا مع بعض المراقبين، أن صلب الموضوع زيادة الإثارة لدى البطلة وجوهر الموضوع زيادة المشاهدين والمعلنين.ما يهم في الأمر أن هذه المعادلة إنما تصل باللامعقول إلى حدود قصوى لم يسبق لأي باحث أو ناقد فني أن التقط أسرارها الحقيقية، والكلام عنها يبقى في العموميات المملة.

إن كل ما شاهدناه ونشاهده، أكان بطلة هيفاء وصوتها وأمثالها كثر يغرينا بأن نجيب: أجل ثمة شيء من الجنون يطغى على اللعبة الفنية، لكنه جنون مدروس ومحسوب على أي حال. جنون الجسد والمال معا، وإيجاد نوع من التطابق بين هيفاء وجمهورها وبين هيفاء وشاشاتها، وبالتالي إلغاء الفن الذي يصفه هؤلاء زورا وكذبا بـ «الرسالة والحضارة»!.

بيروت ـ فيوليت غبرو