في هدوء يليق بمن آثر الصمت على الصخب والضجيج والصراخ الذي يلف حياتنا.. رحل الفنان التشكيلي رؤوف
رأفت، بعد رحلة خاطفة اختلط فيها الفن بالسياسة.. والثقافة بالحرب، فقد كان رؤوف رأفت أحد أفراد جيل كتب عليه..
حصاد الصمت حتى في موته، ففي الوقت الذي كانت تتعالى فيه صيحات التغيير وسط ضجيج سياسي صاخب، كان
نصيب الفنان الراحل خبر على استحياء.
وسط زخم إعلامي زائف، فيما كانت النخب السياسية تتحدث عن سقوط شرعية حرب أكتوبر، والتي يعد الفنان الراحل أحد أبطالها الحقيقيين،.. لكن لا تذهب بعيدا وتعتقد أنه كان يتقلد إحدى الرتب العسكرية!،.. بل أنه أحد الجنود الذين قبضوا على الصمت في الخنادق ست سنوات، وكأن الصمت أصبح قدرهم.
رؤوف رأفت صاحب وجه مصري أصيل.. بلونه الأسمر، وبجبهته العريضة العالية، لكن بمجرد أن تنظر في العيون، لا تستطيع أن تهرب من قراءة إحساس نبيل بالحزن الحقيقي.. تخفيه ابتسامة الواثق، حزن يتوارى خلفه في صمت مهيب تاريخ طويل من المعاناة والقهر والتهميش والتجهيل!
فبمجرد سماع خبر وفاة الفنان رؤوف رأفت تتداعى أمام الأنظار فصول مفارقة عبثية تلك التي واجهت جيل انتصار أكتوبر في العام 1973، ذلك الجيل الذي خرج من اليأس والهزيمة إلى النصر والأمل والرجاء، وبدلا من استثمار النصر الكبير،
واجه هذا الجيل واقعاً جديداً يعصف به في ظل تحولات حادة عنيفة لا تعترف بمكان لأصحاب النصر الحقيقيين، واقع انفتاحي يمزقه تعدد الرغبات وتعارض المصالح وتباينها واختلافها، فمن ملامح مجتمع اشتراكي إلى توجه انفتاحي شكلي ومن المواجهة الحاسمة إلى السلام أو الاستسلام ومن الاحتواء إلى الانفلات.
شاءت الأقدار أن يبدأ «رؤوف رأفت» حياته العملية بعد تخرجه من معهد ليوناردو دافنشي 1973 في عام الانتصار، فيما جاء ميلاده في شهر يونيو العام 1948، لتبدأ فصول رحلة مضنية.. ويروي لنا الفنان رؤوف رأفت ذات مساء بارد بقاعة «خان المغربي» بوسط جزيرة الزمالك: قررت ترك العمل الرسمي طواعية، بعد ان شعرت ان الوظيفة تدفعني إلى أن أتخلى عن الصدق،
فقد تركت مجلة «أكتوبر» مع أوائل الثمانينات، لأتفرغ للعمل في مكتب بسيط للتصميم، لكنني كنت فيه العامل، والمصمم ورئيس مجلس إدارته. ويضيف في أسى: لكن للأسف خلال عشر سنوات تركت الفن كممارس لصالح تأمين حياة كريمة، وإن كان الفن لم يغب عن وجداني وخيالي يومياً.
وعلى الرغم من أن «رؤوف رأفت» كان قد قرر الانسحاب التكتيكي، إلا انه عاد بقوة ليشارك مع أقرانه فناني جيل الثمانينات في الرغبة العارمة للارتباط بالتيار الحداثي والتعبير عن واقع مضطرب قلق، أهم سماته التناقض الصارخ، وهو يلتقي في ذلك مع كل من محمد عبلة (1953)، رضا عبد السلام (1947) وعادل السيوي (1925).
كان «رؤوف رأفت» يصرخ من الكمد من دون أن نتبين موضع ألمه الذي يخفيه وراء تماسكه الصرحي القديم.. وان فلتت منه عبارة الألم في الجسد. وفي الروح أيضاً، وهو ما يفسر لجوءه إلى لوحاته وألوانه والتعبير عن بروز تناقضات حادة أدت إلى تحولات مهمة في البنى والعلاقة الاجتماعية،
تطرح مفاهيم ثقافة جديدة على الصعيد الفني أبرزها الانتقال من تناول الموضوعات الكبرى، تاريخية وميثولوجية، واشتباك مع الموقف الراهن والتحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الفجة التي تطفح منها رائحة الفوضى وكل أنواع القهر.
على نحو ذاتي اتجه « رؤوف رأفت» مع أفراد جيله إلى انتخاب أسلوب فني جديد يتفق مع التبدل في الرؤى تجاه الموضوع والمضمون والمحتوى، لكن هذا الاختيار الجبري أدى إلى تحرر الأسلوب وتخطي المقاييس الكلاسيكية الجامدة منطلقاً من الظواهر الحسية، والمعاناة الحية لواقع جديد تتداعى فيه المعاني والقيم والمبادئ لصالح نزعة مادية طاحنه متعالية جاهلة.
وكان «رؤوف رأفت» قد التقط اشارات التمرد على السائد والمألوف في اتجاه التغيير والتجديد، وإن تزامن ذلك مع ما يحدث في الغرب في نفس الفترة من هوس اتجاهات ما بعد الحداثة، إلا انه تمسك بالتعبير عن تضاريس واقعه بكل تعقيداته بدون الهروب على فضاءات غير معلومة.
وإذا كانت عناصر عالم «رؤوف رأفت» الأثيرة تمثلت في الطائر الأسطوري ومهرجي السيرك والفرسان والجنود الذين تخلوا عن زيهم الرسمي، إلا ان شخوصه تكشف عن أناس الواقع الجديد الملتبس، وقد تيبست وتحجرت وانتفخت على نحو ورقي..
فيما سكنت هذه الشخوص مساحات من الظلام تسلل فيها الضوء على استحياء، وإن جاء هذا الضوء فيما يشبه الإضاءة المسرحية، وهو الأمر الذي يتفق مع المناخ والعالم الدرامي الذي نسجه «رؤوف» في لوحاته ويعكس مضامين فلسفية ودلالات سياسية عميقة.
عندما اختار الفنان رؤوف السيرك مسرحا لأعماله، ورقعة الشطرنج والطبيعة الصامتة والزهور المتحجرة الورقية، فهو بذلك يقول لنا إن هذه هي العناصر الأساسية لملامح الحياة التي نعيشها الآن، والتي يواجه فيها الإنسان سطوة المدنية الحديثة وهجوم التكنولوجيا وثورة المعرفة والاتصالات..
في ظل مقدرة متواضعة على التوافق وفقدان المعنى في عالم مادي شروطه هي شروط السوق من عرض وطلب، وهو ما يفسر ظهور شخوصه في ملابس البلياتشو، أو المهرجين، أو الجنود الذين فقدوا ملابسهم، فيما تطلعت هذه الشخوص إلى طائر أسطوري عملاق يحاول ابطال اللوحات ترويضه.
وفي مرحلة الأبيض والأسود تجلى الرسم لشخوص عادية تصارع عدواً غير مرئي، فيما صغرت رؤوس هذه الشخوص او تلاشت في دلالة واضحة على هذه الحركة العنيفة للجسد.. بلا عقل. لقد رسم رؤوف رأفت عالماً أشبه بالكابوس يتحرك فيه أشخاص يتراءى لنا أننا نعرفهم. إذا كان «رؤوف رأفت» رحل ـ عن 57 عاماً ـً إلى عالم آخر، فقد تركنا نعاني من بشائر مرحلة الصراخ..بعد فترة صمت طويلة مدهشة وعجيبة ومريبة!.
القاهرة ـ سيد هويدي