أسعدتني زاويته «إشراقات» بموضوعها «حصار» (البيان في 24/9/2005). للشاعر عادل خزام الذي لا يخشى في الشعر والشعرية لومة لائم، ولا يخاف سلطة غير سلطة الشعر التي يعاركها فيعركها في كثير شعره الجيد.
ولكنها تتملكه فهو الرابح الخاسر دوماً، إذ لا فكاك من الشعر ولا مندوحة من «حصاره» الشانق. عود إلى موضوعة «حصار»: «المؤسسة»، وبعض المتسلطين من أهل المؤسسة، يهابون الشعر الجديد، ويهابون مبدعيه.
يذهب عادل خزام إلى أمور مهمة، أولها: حرية فكرية في فتح مغاليق الأبواب للقصيدة الجديدة وشعرائها ودور تسلط المسؤولين. وثانيها: القوى التقليدية تراهن على القصيدة العمودية .
ولا تنفك تعارض التجديد والجديد، وبالتالي، فالمؤسسة تعقد رهانها معها وتنبذ الجديد وفيوضه، فلا نجد لها محلاً لا في مجلة ولا في فضاء ثقافي ولا في محفل أدبي. وثالثها: المجتمع المدني أيضاً يذهب مذهب التحفظ فهو مع نهج التقليديين المحافظين يرمق الجديد شذراً.
الأمر أكبر من «حصار». إنه موقف، بل وموقف مضاد، يستخدم أسلحته الفتاكة ضد الحداثة.. هذا أمر متوقع وإن طال مداه واتسع وعم وانتشر.
الأمر غير المتوقع هو «لا مبالاة» المعنيين، من شعراء وجماعات مدنية، بل ومجتمع مدني عريض، يذهب إلى الحراك المجتمعي بشفافية. كيف للمبدع ولاتحاد الكتاب والأدباء، ولرابطة الأديبات، وللجهات الثقافية التي نأنس فيها كفاية لإفساح المجال للجديد، أن تقف مثل هذا الموقف.
العديد من الشعراء لهم وزنهم في الساحة الثقافية ويمكنهم «اختراق» المؤسسة، يمكنهم أخذ «حيز» مهم في الإذاعات ومحطات التلفزيون وقنوات الإعلام الفضائي.. يمكنهم ويمكنهم إن هم أرادوا. والصحافة أيضاً يمكن أن تفرز حراكاً، حواراً، نقاشات ساخنة نستبين بها المواقف.
و«تؤخذ الدنيا غلاباً»، إذا ما تعذر أخذها بالتي هي أحسن والمجادلة والحوار مع «المؤسسة». في الثمانينات برزت «مجلات الماستر».. أصوات جديدة في مسوح جديدة، مطبوعات توزع وتنتشر وفيها موقف «صلب» للجديد..
إصدارات جماعات جديدة من الشعراء بموقف ورؤية. لا تتشكل الحركات الأدبية إلا بالجماعات والرؤى المتجانسة والتجربة المشتركة وبالجماعية. لابد لنا أن نفهم أن التقليد والمحاكاة والقديم لا يمكن له أن يرضى بالجديد والحديث، وأن يفسح له مجالاً.. إن الجديد «بدعة»، وبالتالي فهو «ضلالة»!
وبالتالي يذهب إلى النار.. إن واجب قبيلة الشعراء أن تتحرك لتأخذ مواقعها وحقوقها، بهذا التحرك هي تقوم بواجبها، وبالتالي يتحقق لها ما تصبو إليه وما نطلبه في الواقع الأدبي. الابتعاد عن المنافذ الثقافية والأدبية يتركها في قبضة الأدعياء والمتسلطين والانتهازيين.
وهم كثر في ساحة تهتز طرباً للاستهلاك والغثاثة والركاكة.. وفيها يسرح ويمرح بعض من ضيقي الأفق ومن هم خارج بستان المعرفة وحديقة الشعر.. لابد أن تتطهر الساحة من لغو القول حول الشعر الحديث والقصيدة الجديدة بسبب النماذج الهزلية والصورة السلبية لبعض من حمل القصيدة وجاهة و(بتروقصيدة).
هل نطمح في هزة مثلما كانت في بواكير الثمانينات ومطالع «ثورة» التجديد؟! لابد من سعي حثيث لتحقيق الذات الشعرية، والدخول في «عراك» إيجابي مع الساحة الثقافية لأخذ الحقوق، إذ لا يصح إلا الصحيح.. وإلا أصبحت الغلبة لما تخجل منه أفئدة الشعراء ويملأ قلوب الغاوين فرحاً.
هل ندع كل شيء للزبد الذي يذهب جفاء؟!
هل ندع «الإبداع» لمن لا يستحق؟!