وجه الشاعر المصري فاروق شوشة انتقادات حادة لشعر صلاح عبد الصبور والبياتي، منتصرا لتجربة أحمد عبد المعطي حجازي والسياب في المقابل، وذلك خلال احتفال أقيم بأتيليه القاهرة بمناسبة بلوغ حجازي سن السبعين.

يقول فاروق شوشة أنه لا يميز الشعر من السباب في قصائد البياتي الأولى، وأن قصيدة صلاح عبد الصبور ينقصها إحكام لغوي كما انتقد شوشة التجارب الأولى لرواد حركة التجديد في الشعر العربي ويقول بأنها صيغت في لغة هشة، رغم اقتحامها وجرأتها، هذه الهشاشة اللغوية تذكرنا عندما نقرأها بالشعر المترجم.

ويبرر ذلك بالواقعية التي انتموا اليها وتمثل لغة السوق والشارع والبيت، ووصلت الى ما وصلت اليه في شعر صلاح عبد الصبور وجلبت إليه كثيراً من الاتهامات المعروفة..ولم ينج من تلك الهشاشة اللغوية، حسب رأيه ـ إلا السياب في العراق وحجازي في مصر.

وعن شعر بدر شاكر السياب ـ يقول شوشة ـ أن قصيدته بمثابة عمائر بازخة تحاول أن تقف في وجه الأعمال الكلاسيكية العظمى في ديوان الشعر العربي ولغته هي المنتسبة في شموخ وكبرياء إلى كيمياء الشعر العربي وان خالفتها أو اختلفت معها.

أما حجازي فعل الرغم من كثرة الأحداث والمواقف التي جمعت بينه وبين صلاح عبد الصبور الا أنه أكثر اتصالا بحقيقة الشعر من حيث البنيان اللغوي وتشكيل القصيدة والسيطرة الكاملة على كل مفردات النص، والتنقية من كل عجمة واحساس بالهجنة أو التعريب أو الترجمة أو أي أثر أجنبي، ويضيف حجازي هو فطرة الشعر عندما كان صلاح عبد الصبور يبهرنا بفكرية الشعر، ويقول لنا في كل قصيدة أنا مفكر.

حجازي ابن البرية والسليقة ليس لأنه لم يقرأ أو يعرف ماعرفه عبدالصبور ولكن لأن عجينته طبخت على نار هادئة، فأصبحت أكثر سبكا وأنقى لغة، وأصفى من حيث الشعرية في مفهومها الحقيقي.

ويعود شوشة ليؤكد أن حرص رواد الشعر جميعا على واقعية اللغة والاقتراب من لغة الشاعر، وكذلك الانغماس في الأيديولوجية، والالتزام بالنضال السياسي، كل ذلك وغيره جعل من شعرهم أقرب إلى الترجمة بلغة ليست محكمة بالمعنى الذي نفهمه من عروبة القصيدة.

لذلك ـ يقول شوشة ـ بأن حجازي كان يفاجئنا بين الحين والآخر بتكوين شعري نحس فيه شمما وعبقا نابعين من ديوان الشعر العربي، ولا نجد لهذا أصلا عند شاعر آخر على الإطلاق، وان كان حجازي يفاجئنا دائما إلى أنه ليس مغتربا عن هذه القمم التي بهرتنا في التراث العربي مثل المتنبي و أبي تمام وأبي نواس وغيرهم من مجددي الشعر الكبار.

وينتهي فاروق شوشة الى القول بأن قصيدة حجازي لو أتيح له أن يبدعها في أي مرحلة من عمره، وفي أي حال من شاعريته فلن تكون إلا على هذا الوجه لأنها خلقت قبل خلقه.

كذلك كلاسيكيات الشعر التي أبدعها في الستينات والسبعينات ستبقي تطاول كل الأجيال القديمة مهما ادعى المدعون.بينما رأى الناقد محمود امين العالم ان شعر حجازي تعبيرا فنيا لجوهر شخصيته الحية مع الاختلاف بالطبع بين خصوصية الجانب المسلكي العملي والجانب الشعري الابداعي.

كما ان شعره بنية فنية محتشدة دائما حماسا وحيوية وصوتا وجسدا وفاعلية وحركة ولهذا يقول : أكاد أغامر بالقول بأن شعره في أغلب تجلياته التعبيرية ورموزه وبلاغته اللغوية والتشكيلية يكاد يغلب عليه الطابع الحكائي الحي.

وليس التأريخي مما يشكل بنية حكائية تاريخية دلالية و يحاكي البنية التقليدية للشعر القديم.و يمثل الغضب والرفض وخيبة الأمل والضياع بحثا عن طريق الحقيقة وعن الانسان نفسه وما ينبغي أن يكون هو قضيته الأساسية.

أما الناقد الدكتور محمد عبد المطلب فيقول منذ عرفت حجازي وانا اقول هذا شاعر قادم من سفر، ومقدم على سفر، المعني هو الركيزة الاولي في شعره، و هو الموضوع الشعري المرتبط بالايقاع والاحساس المرتكز علي المهارة اللغوية، ومن يقول هناك أفضل منه لايعرف الشعر ولا الشعراء.

ورغم مقولة عبد المطلب بأن حجازي هو المسافر الابدي لم تأت مفردة السفر في شعره كله سوي 20 مرة، لكنه سفر يصفه د عبد المطلب بأنه سفر في المكان والزمان والشخوص والوقائع والتاريخ.

وانتهى إلى ان حجازي من الشعراء الذين ينطبق عليهم قانون الشعر العربي في الالهام هو شاعر «تلهمه الشياطين»، وهو صاحب الصيغة الشعرية الحقيقية التي نفتقدها كثيرا.

ومن جهته رفض الشاعر حسن طلب ماقاله فاروق شوشة حول اختزال اللغة كانعكاس للعروبة، لانها أوسع من ذلك بكثير، وترتبط في شعر حجازي بعمقها الفلسفي وبفكرة الوجود.

وفي إشارة الى ربط البعض شعر حجازي بالمشروع القومي يقول حسن طلب بأن شعر حجازي مراوغ يصعب اختزاله في مرحلة واحدة، وكل ديوان من دواوينه شاهد على مرحلة تختلف عما سبقها، يخاطب عقول البشر في كل زمان ومكان ويكتسب اهميته في القضايا الكونية الكبرى التي يتعرض لها دون اجابة معدة سلفا.