بالرغم من مرور أكثر من 50 عاماً لوضع التصورات الأولية لدور التلفزيون في حفظ التراث ونشره وتعزيزه وتطويره إلا أن موضوع توظيف التلفزيون في نشر عناصر التراث الشعبي المستند أصلاً إلى ثقافة شفاهية بحتة،لايزال يسبب إشكالية كبيرة تواجه الباحثين والمهنيين العاملين في حقلي التراث والتلفزيون.

هذه الإشكالية تم طرحها ومناقشتها في محاضرة نظمها مركز زايد للتراث والتاريخ بمدينة العين مساء أول من أمس ضمن موسمه الثقافي تحت عنوان «برامج التراث الشعبي في التلفزيون بين الثقافة الشفاهية والمرئية»، ألقاها الدكتور محمد إبراهيم عايش عميد كلية الاتصال بجامعة الشارقة وقدمه د. محمد فاتح زغل.

في بداية المحاضرة استعرض الدكتور عايش أهمية التلفزيون كأحد أهم الأدوات الإعلامية المعاصرة من حيث الانتشار ومستوى التأثير والقدرة على إحداث التغييرات المطلوبة في المجتمع. وخاصة منذ أن بدأت الدول النامية في نيل استقلالها من الاستعمار الأوروبي في الخمسينات والستينات من القرن الماضي.

حيث شكل إنشاء المحطات التلفزيونية في تلك الدول أولوية مهمة من أولويات الحكومات الناشئة، وعقدت عليه الآمال العريضة للمساهمة في تحقيق التنمية الوطنية الشاملة، ونظراً لقدرته على اختصار المسافات الجغرافية والثقافية، بسبب انتشار بثه في مساحات واسعة ووصوله للجماهير بجميع أنواعها بصرف النظر عن المستوى الثقافي أو الخلفية الإثنية أو الجهوية.

وكان من أبرز الأهداف المنوطة بالتلفزيون منذ بداية بثه في تلك الفترة المحافظة على الثقافة الوطنية بتجلياتها المتشعبة، بما فيها العادات والتقاليد والموروثات الشعبية والفكرية التي تحدد معالم الهوية الوطنية للمجتمع.

وكان ينظر آنذاك بإيجابية كبيرة إلى الجانب البصري في التلفزيون باعتباره متفوقاً على الجانب المكتوب في الصحف، وعلى الجانب المسموع في الراديو من حيث القدرة الكامنة للصورة في إحداث التأثيرات المطلوبة بشكل يفوق ما يمكن أن تقوم به الكلمات المطبوعة أو المسموعة.

كما تناول الدكتور عايش سعي القائمين على الإنتاج التلفزيوني لإبراز الجانب البصري للعمل التراثي، يطغي على الكثير من الجوانب غير المرئية في الأشكال التراثية مثل الجانب الشفوي أو السمعي، كما هو الحال في قراءة الشعر أمام الكاميرا .

حيث يفقد المشاهد التركيز على الجانب الصوتي للأبيات الشعرية لأن الكاميرا تجذبه، بل تسلب انتباهه باتجاه أبعاد بصرية أخرى، ومن أسباب هذا الخلل عدم التناغم البنيوي بين لغة التراث في أشكاله الأصلية التي ولد ونشأ فيها وبين لغة التلفزيون البصرية التي تعتمد على مفردات أبجدية، تتمثل في حركات الكاميرا ولقطاتها، والانتقالات البينية، والمؤثرات المرئية المختلفة.

واختتم الدكتور محمد عايش محاضرته بالدعوة إلى إجراء مراجعة شاملة لقدرة التلفزيون على استيعاب التراث الشعبي الموروث من خلال تقييم موضوعي لجميع الجوانب التي يمكن للتلفزيون أن يعززها في التراث دون الانتقاص من قيمتها الرمزية ودلالتها المعنوية التي منحتها شكلها المعروف.

مدعماً ذلك بتقديم نماذج من برامج تراثية للتدليل على أن الكثير من أشكال التراث الشعبي وجدت وازدهرت ليس بسبب قيمتها البصرية، بل بسبب قيمتها السمعية، والسياق الاجتماعي والمكاني الذي نشأت فيه. وبالتالي، فإن تلك الأشكال قد تعرضت لعملية تكييف أو ربما تشويه.

العين ـ مكتب «البيان»: