«يتبادر للوهلة الأولى أن المحرمات في الثقافة العربية لا تتعدى ثلاثة: الدين، الجنس والسياسة، وهي مفردات مطاطة، ولكن الصورة الفعلية على أرض الحقيقة الثقافية هي غير ذلك، الحقيقة أن الثقافة الآن، بعد سقوط كل الأوهام العربية، سلاحنا الوحيد وهويتنا الوحيدة، خصوصاً أننا نعيش مناخ بؤس ثقافي عالمي تطغى عليه الأحقاد.

ويسود فيه الجهل، فقد أصبح الصوت الأعلى، أو الصوت الأوقح، هو الصوت المسموع» بهذه الكلمات بدأ الإعلامي والكاتب الصحافي رياض نجيب الريس محاضرته «ثقافة وسياسة وصحافة: محاولة لتأسيس مستقبل» التي ألقاها في المجمع الثقافي مساء أول من أمس وقدّمه فيها الأديب الإماراتي ناصر الظاهري.

وأضاف الريس ـ آخر الخوارج، وهو عنوان آخر كتبه ـ: في هذا السياق من الاستتباع الثقافي، أصبحت الثقافة العربية طريدة العدالة، وأضحى الكتاب العربي؛ مادة تستدعي الحظر، وإذا بهذا الكتاب في كل مطار وعند كل مركز حدود في أي بلد عربي، يصنف تصنيف المخدرات، ويعامل ناشره معاملة المهربين، ويعاقب مؤلفه عقاب المجرمين.

ويمنع قارئه منع اللصوص.. ورغم ذلك فقد غاب دور المثقفين عن الاحتجاج على مصادرة السلطات في بلدان عربية عدة ـ لكتب ـ أو عند اضطهاد لكتّاب، وليس هناك ثمة موقف احتجاجي واحد للمثقفين يعلنون فيه براءة ذمتهم من دم ابن يعقوب الكاتب، ولقد دمرت السياسة العربية؛ الحياة الثقافية بتسطيحها لكل القيم الفنية.

وأشار الريس إلى أن الثقافة الحيّة لأي مجتمع تحتاج إلى جماعة محرضة، وألقى باللائمة على الأنظمة العربية التي جيّرت وسخرت وسائل الإعلام لمصالحها البحتة على حساب مصلحة مجتمعاتها، وأكّد أن السياسة في العالم العربي شأنا يوميا لكل الناس، بينما أمست الثقافة شأن موسمي لبعض الناس، وهو ما جعل الوسيلة الإعلامية تقدم نفسها كبديل للثقافة الحقيقية، وأضاف:

لابد من الإدراك أن لا ديمقراطية للثقافة؛ إذا لم يتحسسها ويستعملها الناس كجزء نابع من عاداتهم، ومن خُلقهم وهويتهم وطقوسهم، وإن دور المثقف يكمن في المواجهة، وهذا لا يعني أنه يسعى لانتزاع السلطة؛ لكنه يريد منبراً ليُسمِع السلطة رأيه وينقل الناس فكره.

كما تطرق الريس إلى الضغط المتزايد من قطبي الرحى «السلطة ـ الأصولية» في العصر الراهن، من حيث تباريهما إلى قمع الحرية والفكر باسم المقدس السياسي تارة، أو المقدس الديني تارة أخرى، والمثقف محاصر بين صورة الإرهاب ورغيف الخبز، وأن ذلك لا يلغي دوره الحاضر فحسب، بل سيعدم كل محاولة لتأسيس المستقبل.

وأضاف: إن الأنظمة العربية بذكاء لافت وتقنية في التفكير متطورة، لجأت إلى مصادرة الثقافة، فاجتاحت آخر الهوامش المتوافرة لحرية الكتّاب والمثقفين، عبر استيلائها على الصفحات الثقافية في هذه الجريدة أو تلك، حيث عملت على إفراغها من الثقافة نفسها، وكذلك هو الحال مع العديد من المؤسسات والمجالس والاتحادات الأدبية والثقافية والفكرية.

وقال الريس: إن أي دعوة للديمقراطية هي ضرب من ضروب العبث؛ إذا لم تتزامن مع قيام صحافة وطنية أهلية غير مملوكة من الدولة، لها حرية التوزيع وحرية الإعلان وحرية الاستثمار، ويحميها قانون صحافة عصري وتقدمي، له علاقة بالزمن الحاضر ويستلهم قوانين العالم المتحضر.

وأضاف: إن ما يدعو للتفاؤل، هو وجود الناس العاديين الذين ـ يقيناً ـ الأقل تأثراً بالترنح العام للأمة، والأكثر تماسكاً من المثقف العربي الذي استشرى فيه الإحباط، فغرق في وحل الهزيمة التي ساهم بصنعها، هذه الجماهير، على امتثالها البادي اليوم، هي في حالة تململ .

ومخاض لا يقابلها في النخب المثقفة مفكر أو مبدع يلتقط عناصر الخطاب المستقبلي، وهنا يكمن التحدي والرهان في اللحظة الفاصلة بين قرنين، بين موت مشهد الماضي وولادة المستقبل.

وعقد «آخر الخوارج» مقارنة تاريخية بين المنتج الثقافي العربي مع نظير يقاربه من حيث الوضع السياسي والاقتصادي، حيث تساءل عن تقدم المشهد الثقافي الأميركي ـ لاتيني على المشهد الثقافي العربي، سواء على مستوى الداخل أو المنتج الثقافي العالمي.

وأجاب الريس عن ذلك، بأن القمع في أميركا اللاتينية التي تطبع عشرات الملايين من الكتب سنوياً؛ كان قمعاً سياسياً، بينما اجتمع القمع السياسي والمحرمات الدينية والاجتماعية في العالم العربي، لتضعنا في حضيض المنتج الثقافي.

وقللّ الريس من شأن الأطروحات والمقالات التي تؤكد على أن الثقافة العربية قد شقت طريقها للعالمية ـ كحصول نجيب محفوظ على جائزة نوبل وغير ذلك ـ مؤكداً أن ذلك ما هو إلا انتقال من التعميم إلى التخصيص.

وقال: عندما نقول أن الثقافة العربية تخلفت، فذلك قياساً إلى ماضيها عربياً، فعندما يجري النظر في فترة عهد النهضة، فترة جمال الدين الأفغاني والكواكبي ورشيد رضا ومحمد عبده؛ تجد أن كل ما كتب قبل الخمسينات كان أكثر تقدمية وأكثر بريقاً، وأكثر جدّة من كتّاب ما بعد الخمسينات.

إن كل الانحدار الذي نراه ـ أضاف الريس ـ بدأ منذ ثورة عبد الناصر إلى اليوم، حيث تحول دور المثقف ـ وهنا الأزمة بالضبط ـ من طليعي وقائد ورائد وتحريضي من أجل التغيير والتعددية إلى خادم للسلطة، أي سلطة كانت، سواء جامعية أو سياسية أو دينية، وانقلب دور هذا المثقف إلى دور المدجن، بعد أن توصل هذا المثقف إلى مقولة «العين لا تقاوم المخرز» أو «العين لا تعلو على الحاجب» وما شابه ذلك من أقوال عامة العرب.

وختم الريس محاضرته «التغيير لا أمل فيه من الخارج، وأنه سيبدأ من الداخل» رغم أن المحاضر أعترف بأن هذا التغيير ربما سيستلزم مئة سنة!! وأضاف: التغيير يعني مزيداً من الوعي والثقافة، والديمقراطية هي قبل كل شيء ثقافة .

وليست كلاماً مُنزّلاً، وهي ممارسة لابد أن نتعلمها.. والتغيير سيحدث، ولكن أراه في جيل ما بعد أولادنا، خصوصاً أن ثمة ما يحضّر لجعل الأمة العربية بمثابة «هنود حمر» كي تجري تصفيتها لاحقاً تحت شعار: الحضارة بوجه الهمجية.

يُذكر أن خلفان مصبح المهيري الوكيل المساعد لشؤون الثقافة والفنون بالمجمع الثقافي كان قدّم قبل بدء المحاضرة؛ «درع المجمع الثقافي» للكاتب الصحافي رياض نجيب الريس.

كما أقيم على هامش المحاضرة معرض الفن الكاريكاتوري بريشة الفنان حسن أدلبي، ضم العديد من «البروتريهات» المرسومة بطريقة كاريكاتورية لشخصيات أدبية وسياسية عربية، وجرى في ختام المحاضرة فتح باب الحوار بين الجمهور والمحاضر.

محمد الأنصاري