ما أن تلج طريق هرم سقارة بعد أن تعبر شارع الهرم الصاخب في اتجاه قرية الحرانية الشهيرة بصناعة الكليم اليدوي الفطري حتى تطالعك لافتة متحف نبيل درويش للخزف، وعلى الرغم من إحساسك بالزهو إزاء وجود متحف للخزف، خاصة وأن نبيل درويش أضاف 27 ابتكارا لفن الخزف وتقنياته.

إلا أن المتحف يعاني من آثار المياه الجوفية التي أدت إلى تداعي المبنى، وتهدد العرض المتحفي، وهي المشكلة التي تشكل عبئا ورعبا للعديد من المزارات الفنية في منطقة طريق سقارة، بما في ذلك بيت الفن بالحرانية والذي شهد تجربة رائدة للمربي الفنان حبيب جورجي وصهرة رمسيس ويصا واصف في إطلاق الكوامن الإبداعية الفطرية للأطفال والفلاحين سواء في الخزف أو الكليم، تلك الإبداعات والمنتجات التي غزت عواصم العالم فنيا وثقافيا وتعليميا.

ولأن فن الخزف هو فن الأسرار، ووجود عمل خزفي خالد ومتميز مرهون بتحقيق معادلة صعبة تجمع بين جودة الخامة وقوة خطوط الشكل وجماليات التصوير وطاقة فكرية هائلة سواء كان هذا العمل الخزفي نفعيا يستخدمه الإنسان في حياته اليومية أو يحمل قيمة جمالية خالصة.. هذه الحقيقة المركبة أدركها الخزاف نبيل درويش، الذي جاء من رحم ريف دلتا النيل، حيث ولد في عام 1936 بمدينة السنطة - غربية.

عرف نبيل درويش الطريق إلى ورشة أستاذه الرائد سعيد الصدر بمنطقة الفسطاط، وهو مازال طالبا بكلية الفنون التطبيقية وما أن حصل على البكالوريوس حتى اتجه إلى اكتشاف خامة الأسرار الطين.بدأت رحلة اكتشاف «نبيل درويش» للخامات المحلية عندما قدم رسالة الماجستير في الخزف عام 1971 باحثا فيها عن أسرار عمل (شباك القلة) الذي برع في صنعه خزافو العصر الإسلامي،

بعدها شد الرحال إلى الكويت واكتشف الأماكن التي تحتوي على طينة ذات طبيعة رملية صالحة للإبداع الخزفي المحلي، كما توصل في قطر والبحرين إلى طينات صالحة للفخار والخزف، ثم اتجه سندباد الخزف المصري إلى العراق، إيران، تركيا، سوريا ولبنان سعيا وراء منابع فن الخزف الإسلامي والعربي.

توج «نبيل درويش» رحلة بحثه في عالم الخزف عندما أنجز أول رسالة دكتوراه في فن الخزف عام 1981، وكشف فيها عن طريقة المصريين القدماء في صنع فوهات سوداء للأواني الخزفية وهو الكشف العلمي الذي سجل طرفة على المستوى الفني، وفي الوقت نفسه في مجال الآثار، وعكس قدرة الفنان على استيعاب التجربة الفنية الفرعونية (ما قبل الأسرات)،

بالإضافة إلى أنه استطاع أن يطلي الإناء مثل الرومان، والإغريق ولكن بالكربون، وليس بالأكسيد، وهي الإضافة التي سجلت على نحو عالمي في تاريخ الخزف، وتعد نصرا تشكيليا وخزفيا، عندما أعطى للرسم بالدخان مذاقا جماليا جديدا عبر تلوين الجسم الفخاري بالكاراكلية، فحقق تفردا يحسب له على مدار القرن العشرين كله.

إذا كان الصينيون قد توصلوا في فن الخزف إلى طينة زرقاء خاصة بهم وتوصل الإنجليز قبل مائتي عام إلى طينة زرقاء أيضا، فقد توصل الخزاف نبيل درويش إلى أزرق يعد جديدا في درجته وعمقه، وابتكر طريقة لصق طينة بيضاء على طينة سوداء أو زرقاء.

وعلى الرغم من المنطلقات الفنية للخزاف الفنان «نبيل درويش» تعتمد على حرية التشكيل بتلقائية إلا أنه واحد من القلائل الذين أتقنوا التحكم والعمل على الدولاب الدوار التقليدي، سواء بفعل الممارسة الدؤوبة الطويلة، أو بفرض الإنتاج الكمي، كذلك تميز بأسلوب التطعيم.

وإذا كان «نبيل درويش» قد أبحر في اتجاه البحث عن هوية للخزف المعاصر عندما وجه بوصلته ناحية الموروث الفرعوني الإسلامي، فقد ذهب أيضا على الفنون الشعبية، يستخلص منها الأصيل المبتكر كالعرائس والرسوم على الأواني والأشكال النحتية التي استمدت إلهاماتها من الجوامع، وللعمارة الإسلامية.

وتتميز أعمال «نبيل درويش» الخزفية بقدرته الفائقة على إعطاء إحساس بالألوان المائية وشفافيتها ورقتها على الطلاء الأسود (بلاك ميرور) مع الاحتفاظ بتنوع هائل في استخدام الألوان المصقولة والثراء في الملمس وتعدد في الشكل والخطوط التي تعكس انتماء هذا الإبداع إلى جذور تاريخية عميقة،

تلك الأعمال التي ظل الفنان يحتضن المتميز منها برفق ليضمه إلى المجموعة المعروضة بمتحفه والذي كان قد أقامه بجهوده الذاتية إلى أن ترك لنا هذا العطاء الممتد ورحل وظل متحفه يعاني رغم رعاية أسرته الصغيرة له والمكونة من زوجة وفية محبة وابن وبنتين.. فهل لوزارة الثقافة أن تحفظ للأجيال المقبلة قيمة فنية وفكرية تستحق الخلود ممثلة في إبداعات نبيل درويش وأبحاثه ومكانه؟.

القاهرة ـ سيد هويدي