عاد اتحاد الكتاب الجزائريين إلى جو الأزمات هذه الأيام على وقع إعلان مجموعة من قياداته وكوادره الأسبوع الماضي عزل رئيسه الشاعر عز الدين ميهوبي الذي يرأس أيضا اتحاد الكتاب العرب منذ مؤتمر الجزائر العام الماضي...نقول عاد إلى جو الأزمات لأنها ليست المرة الأولى التي يسقط فيها الاتحاد في مثل هذه المشكلات في الخمس عشرة سنة الأخيرة، أي منذ انتهاج التعددية الحزبية والتنافس المفتوح على قيادة المنظمات الشعبية والمهنية.
ووصول عز الدين نفسه إلى المنصب كان نتيجة أزمة عارمة عصفت بالاتحاد في منتصف العقد الماضي وعطلت نشاطه لأكثر من سنة، حتى بادر بعض الكتاب والأدباء بتنظيم مؤتمر في مدينة سطيف شرق البلاد قبل نحو ثماني سنوات أفرز قيادة جديدة وزرع الحياة من جديد في المنظمة. ما حدث الأسبوع الماضي بقسنطينة فسره الكثيرون على أنه «انقلاب على الشرعية» كون عز الدين ميهوبي يتمتع بفترة رئاسية لم تنته بعد، وأن القرار لم يتخذ في اجتماع عادي عمومي للقيادة، بل كان بإيعاز من أطراف مناوئة.
وسبق أن تحركت الأطراف ذاتها قبيل انعقاد مؤتمر اتحاد الكتاب العرب للإطاحة بميهوبي لكن المحاولة فشلت بعدما اصطدمت بقوى سياسية تحمي الرجل. ومحاولة هذه المرة كما السابقة لم تكن نتيجة احتكاك فكري أو صراع أجيال بقدر ما هي انعكاس للتنافس السياسي الحاصل على الساحة بين القوى السياسية العالقة في برنامج الرئيس عبد العزيز بوتفليقة والتي تحاول أن تكون المستفيد الأكبر من فترة حكمه،
وفي مقدمة هذه القوى جبهة التحرير الوطني التي ينتسب إليها «الانقلابيون» والتجمع الوطني الديمقراطي لأحمد أويحيى رئيس الحكومة الذي ينتسب إليه عز الدين ميهوبي ويعد من أهم قياداته الشابة. الذين يديرون عجلة الأزمة داخل الاتحاد اليوم هم من الحرس القديم يتقدمهم الدكتور العربي الزبير الذي سبق أن شغل منصب الأمين العام للاتحاد قبل الانفتاح الديمقراطي بموجب دستور 1989 وقيام نظام التعددية الحزبية،
وهو من أقرب المقربين لمسؤول الأمانة الدائمة للجنة المركزية لجبهة التحرير الوطني محمد الشريف مساعدية، ويقف إلى جانبه الدكتور الشاعر أبو القاسم خمار ومجموعة من الكتاب القدامى الذين فقدوا السيطرة على الاتحاد بعد ما غابت عنهم التغطية الرسمية. ولقد نشبت معارك كلامية سواء بصفة مباشرة في مقر الاتحاد أو على صفحات الجرائد بين الفريقين وحاول كل طرف تبرير وجوده وأحقيته في قيادة المنظمة.
وأحقية القيادة في هذا المقام لا تعني الأشخاص بقدر ما تعني القوة السياسية التي يمثلونها. فحين اعتلى عز الدين ميهوبي قيادة الاتحاد كان التجمع الوطني الديمقراطي هو القوة السياسية الأولى في البلاد، وكان يتمتع بأغلبية برلمانية وبتأييد مطلق من الرئيس السابق اليمين زروال.
ومع أن الوضع على مستوى الديكور العام لمؤسسات الدولة لم يتغير كثيرا بحيث لا يزال أحمد أويحيى رئيسا للحكومة وعبد القادر بن صالح الأمين العام السابق للتجمع على رأس مجلس الأمة، فإن جبهة التحرير تغير موقعها في عهد بوتفليقة وصارت التنظيم السياسي رقم واحد في البلاد وكسبت الأغلبية البرلمانية والتأييد الكامل من الرئاسة،
ما دفعها إلى السعي لاسترجاع المواقع التي ترى أنها «ضيعتها» حين تحولت إلى قوة معارضة في العقد الماضي تحت قيادة عبد الحميد مهري المتحالف مع قيادة جبهة الإنقاذ وجبهة القوى الاشتراكية. وعملت جبهة التحرير في السنوات الثلاث الأخيرة على «استرجاع» المنظمات الجماهيرية والمهنية التي كانت تراقبها زمن الحزب الواحد. فيما يدفع التجمع إلى «احترام» التوازنات السياسية القائمة. وهذه الدوافع السياسية وصراع المواقع هو السبب الرئيسي للأزمة التي يعيشها اتحاد الكتاب الجزائريين حاليا.
الجزائر ـ مراد الطرابلسي