يتابع الدكتور عبد الكريم الأشتر أحاديثه في مختلف فنون الأدب والنقد والتراجم، وقد صدر له مؤخراً كتاب «في ديوان العرب. أحاديث في الشعر والشعراء» .

وقد اصطلح على تسمية عمله هذا بكلمة «أحاديث» بالرغم مما تحمله من نظرات نقدية ، ودراسة متبصرة، ونهج هو بين النهج المفتوح والنهج المرسوم، ومن تحقيقات وشرح للمفردات في الحواشي السفلية جاءت حسب الضرورة التي تقتضيها طبيعة القص والأحاديث من غير أن يلزم نفسه بالدرس الأكاديمي المحكوم بمنهجه، بالرغم من أنه أستاذ أكاديمي ومدرس للأدب العربي في جامعات عربية وسورية.

ومشهود له بالقدرة والبحث، لكن التوجه إلى القارئ بصفة المحدث، وإليه من موقع السامع هو أكثر حميمية وأنساً، ويفرض رشاقة في القص والحكاية والرأي لا تتوفر في البحث الأكاديمي.

وبخاصة وأن أغلب هذه الأحاديث في الشعر والشعراء أعدها وخاطب بها جمهور المستمعين على الأثير من وراء الإذاعة. ولكن القارئ أو السامع يدرك مباشرة أن هنالك منهجية في قراءة النص الشعري وتقويمه. يقول في مقدمة الكتاب:

«وسيلاحظ القارئ أننا أفدنا من جملة المناهج النقدية في قراءة النص الشعري وفهمه وتقويم طاقاته التعبيرية، في اختيار الوحدات اللغوية وبنائها.

وصياغة الصورة ومرتكزاتها، والاستجابة الوجدانية للموقف، والسمات الأسلوبية ودلالاتها العامة والخاصة، على أن المنهج التأثري في الفهم والتقويم، المسوغ بالمعرفة الموضوعية هو الغالب في الكتاب على جملة المناهج النقدية الأخرى، بحكم المساحة المحدودة التي يشغلها الحديث».

أحاديث الكتاب عن الشعراء مقسمة إلى فصلين و ثلاثة أقسام هي:

1 ـ ثلاثون حديثاً تغطي جوانب متعددة من العصر الجاهلي تشمل الجزيرة العربية وسكانها وواقعها السياسي والاجتماعي والثقافي، ووقفات مع شعراء هذه الفترة بدءاً من امرئ القيس وشعراء المعلقات وانتهاء بالشاعر ذي الإصبع العدواني.

2 ـ ثلاثة عشر حديثاً تتعرض للشعراء المخضرمين في العصر الإسلامي ومنهم حسان بن ثابت والحطيئة والخنساء والنابغة الجعدي.

3 ـ ست وعشرون حديثا تتناول من العصر الإسلامي شعراء الدولة الأموية كالأخطل وجرير والفرزدق وعمر بن أبي ربيعة، وبعض الشعراء العذريين والوليد بن يزيد.

صدَّر المؤلف الكتاب بأربع مقدمات تحدث فيها عن سكان الجزيرة العربية من عرب عاربة أي هم الأصل وهم سكان اليمن وحضرموت وعمان، وعرب مستعربة هم سكان نجد والحجاز وسموا هكذا لأن اسماعيل بن إبراهيم وذريته (ع) اكتسب العروبة ولغتها من اليمنيين، ويعقب المؤلف على ذلك بمنطق العقل والبحث قائلاً «وهذا كله كلام داخلته العصبيات السياسية ويصعب الفصل به».

وأشار إلى أثر هذا التقسيم في شعرهم السياسي والاجتماعي وفي فتن ودماء كثيرة سالت بسبب الاعتقاد به، ويعقب على ذلك بأنه مجرد انقسام مزعوم، ويقول «قد لايكون لهذا الاختلاف أساس غير اختلاف الموطن وما يستتبع من اختلاف، ضمن اللغة الواحدة، ولكنهم أقاموا على هذا الانقسام في القديم قضايا ومواقف خطيرة شغلتهم كثيراً».

وأعتقد أن أهمية هذه المقدمة تأتي من هذه النظرة الجديدة الجريئة والمخلصة في قراءة تاريخ عربي حفل بالحروب بين القيسية واليمنية وحفل بالتفاخر والهجاء بين شماليين عدنانيين وجنوبيين قحطانيين، على أساس تقسيم مزعوم كان له أثره في حركة التاريخ والنتاج الأدبي، بالرغم من أنه الآن لم يعد وارداً، فقد حلت محله انقسامات وصراعات أخرى.

أما عن الشعر الجاهلي وما يتفرد به من خصائص فإنه يعتبره الحقيقة الشامخة لهذا العصر ويقول «أمامنا شعر رائع، متسق الصفات، بالغ الحساسية، جميل التصوير، عميق الصلة بالبيئة وتقاليدها وأحوالها وصور الحياة فيها.

ويرى أن أقدم ما وصلنا من شعر يعود إلى القرن الخامس الميلادي، ولكن ثمة شعراً وشعراء قبل ذلك لم تصلنا أخبارهم وأشعارهم، وقد غابت الملاحم الطويلة عن هذا الشعر كما لدى الأمم الأخرى وذلك لضعف الاستقرار وغلبة البداوة، ومهما يكن فإن هذا الشعر ظل يروى شفاهاً زمناً طويلاً قبل أن يدوَّن».

في حديثه عن أعلام الشعر يأتي الدكتور الأشتر على مفاصل من حياة الشاعر، ويهتم غاية الاهتمام بثقافته من مختلف جوانبها، وبعلاقته بالبيئة الطبيعية والاجتماعية، وعوامل نضج الشاعر الفني، ومبلغ غناه الفكري. معلقاً على بعض ما اعتاد الدارسون والرواة نقله واعتباره حقيقة مسلمة، بالنقد والتشكيك تارة وبالتأييد تارة أخرى.

مثال ذلك في حديثه عن الشاعر الأعشى الكبير أبو بصير ميمون بن قيس ( ت 8هـ /629م) بقوله: ز وفي الكتب رواية تقول إنه لحق بزمن الرسول، اراد أن يلتحق به، وصاغ لذلك شعراً ينشده بين يديه، فصده أبو سفيان وأغراه بالمال، فرجع إلى قريته ومات فيها. ولا يبعد أن تكون هذه الرواية من صنع ربيعة، لترتفع بموقف شاعرها بعد الإسلام.

وحول علاقة الأعشى بالمرأة يرى أنها غير مستقرة وغير مشروعة أيضاً، ويتلمس له العذر في ذلك فيجده في كثرة الأسفار والتطواف فقد كان يتردد مسافراً ما بين فارس واليمن والحبشة، مختلطاً بالنساك والرهبان ونصارى نجران متعرفاً على أفكارهم وسلوكهم، بالإضافة إلى تعرفه على عادات وأفكار وحياة الشعوب التي يرتاد بلادها، ولهذا يعقب على ذلك بقوله:

لقد كسب من تطوافه ثقافة تاريخية ودينية واجتماعية وفكرية عامة أغنت شعره، ومن هذه الثقافة أيضاً الثقافة الموسيقية باطلاعه على موسيقى تلك الشعوب ، مما صقل ألفاظه ورققها، وأشاع الغنائية المحببة في شعره حتى لقب بـ (صنّاجة العرب).

وقد عرف الشاعر بغزلياته وخمرياته وطارت شهرته بها، ويعيد الأشتر ذلك إلى تردد الشاعر الدائم على مراكز الحضارة كالمناذرة في الحيرة والغساسنة في عاصمتهم الجابية (جلق ـ دمشق) واليمن.

ولكنه يخص الحيرة بالتأثير الأكبر فيقول: «والأعشى مدين بروعة غزلياته وخمرياته إلى بيئة الحيرة المتأثرة بمظاهر الحضارة الفارسية وترفها المادي». إذن نحن هنا أمام بحث متبصِّر ولكن يساق بأسلوب الحديث والمنادمة.

ويفرد المؤلف حديثين عن الخليفة الشاعر الوليد بن يزيد كنموذج لرجل خلق فناناً فاختارته الأقدار ليكون خليفة أموياً على غير ما يهيئه له تكوينه، وزاد في ذلك أنه كان يكره النفاق والتستر بمظاهر الخلافة، ولروى أنه لما مات هشام ودُعي إلى الخلافة قال : «والله لأتلقَّين هذه النعمة بسكرة قبل الظهر».

وكما هو معهود عن د. أشتر أنه يتناول الروايات تناولا معقلناً ، فإنه يعقب على أخبار أبي الفرج الأصفهاني عن الوليد بالإشارة أولاً إلى ميل أبي الفرج إلى الهاشميين بأنه روى من أخباره ما يصعب تصديقه على أحد من الناس فكيف على امير المؤمنين الذي تشمل دولته العالم المتحضر.

ثم يستدرك المؤلف معتمداً شعر الوليد كمصدر لحكمه قائلاً : «ولكن هذا لا يعني أن كل ما كتب عنه مكذوب، ففي المصادر من شعره على الأقل ما يشير إلى أنه كان مستهتراً بالنيل من آداب الخلافة وتقاليدها، قبل خلافته وبعدها، حتى قتلوه في القصر. لقد كان الفن أقرب إلى نفسه من الخلافة، وكانت الدنيا ومتعها أحب إليه من مجد الملك وسلطانه».

إن ما بقي من الوليد هو شعره ، وبخاصة شعره في الخمرة، وقد أخذه عن الشعراء من بعده فأدخلوه في أشعارهم، يقول أبو الفرج «سلخوا معانيها، وأبو نواس خاصة، فإنه سلخ معانيه كلها وجعلها في شعره، فكررها في عدة مواضع منه».

ومن شعر الوليد في الخمرة:

فقد تجلّت ورقَّ جوهرها

حتى تبدَّت في منظر عجب

فهي بغير المزاج، من شرر

وهي لدى المزج سائل الذهب

كأنها في زجاجها قبس

تذكو ضياء في عين مرتقب

ومثل هذا الوصف لا يكون إلا من عاشق للخمرة يألفها ويتودد إليها ويتذوق جمالها تذوقاً فنياً.

أهم ما يميز هذا الكتاب أسلوبه المشوق الذي يورد المعلومة، ويروي الخبر، وينتقي الشاهد، بأناة وفحص. ويشعر المرء بشكل جليٍّ بتواد المؤلف ليس مع القارئ فحسب وإنما مع الشعراء الذين يتحدث عنهم.

عبد الفتاح رواس قلعه جي