هل هي عملية مصالحة مع الشعر، تلك التي قامت بها مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين ووزارة الثقافة السورية، فاختارتا ذكرى مرور(25) عاما على وفاة الشاعر بدوي الجبل (محمد سليمان الأحمد 1903ـ 1981) ليعلنا في ندوة تكريمية له عقدت في أغسطس الماضي بدمشق .
وعلى لسان وزير الثقافة السوري د. محمود السيد بأن بدوي الجبل: قامة إبداعية شامخة حمل هموم أمته وعبرّ عن آمالها وآلامها، وشعره اتسم بالخلود، لأنه كان الناطق بلسان التاريخ والعالم.
ترى هل هي مصالحة، أم إنها انتصار الشعر على السياسة،مثلما انتصر من قبل ابن خلدون (المثقف والمفكر) على السياسي الذي خونَّه واتهمه بالعمالة لهولاكو؟
- لقد مرت حياة بدوي الجبل السياسية ( فاز أربع مرات بكرسي البرلمان، ومرتين بالحقيبة الوزارية) بانقلابات وتقلبات كثيرة، فمن موقف وطني ضد الاستعمار الفرنسي، إلى التعاون مع الفرنسيين وتأييدهم .
ومن ثم تعيينه نائبا في البرلمان عن الدويلة الساحلية التي دعا إلى انفصالها عن سوريا، ثم العودة للانضمام إلى صفوف الوطنيين في دمشق الذين أرادوا أن يكسبوه شاعراً (فحلاً) فاحتضنوه بعد أن سامحوه وغفروا له ماضيه وصارفي مصاف قادة الثورة السورية كإبراهيم هنانو وفارس الخوري.
وكان حينها قد انضم إلى (حزب الكتلة الوطنية). يقول بدوي الجبل عن فترة تعاونه مع الفرنسيين:(فما أنكر أنني أسأت وأخطأت، وهذا ضعف اعترف به).
بعد توبته لم يسلم من أذى الفرنسيين، ففر هاربا إلى العراق، ثم عاد إلى اللاذقية، فاعتقلته السلطات الفرنسية وأودعته السجن إلى أن جاء الاستقلال فخرج من السجن لكن الحكومة السورية ضايقته، ففر إلى بيروت عام1951، وعاد بعدها إلى سوريا ليصير وزيرا ،وكان ذلك عام 19540ثم عاد وهرب إلى بيروت في عام1956 ، ثم نفي إلى جينيف.
ولما قامت الوحدة المصرية السورية أخذ موقفاً من رئيس جمهوريتها الرئيس جمال عبد الناصر، ولم يعد إلى سوريا حتى جاء عام 1962 ولمّا لم يمض على وجوده سنة في وطنه ، أصدرت قيادة ثورة الثامن من أذار1963 مرسوماًاعتبرت فيه أن (بدوي الجبل) شاعر رجعي وانهزامي، وفرضت عليه عقوبة (العزل المدني)إلى أن وقعت هزيمة يونيو عام1967 فهجا النظامين السوري و المصري بقصيدة لاذعة، تعرّض على إثرها لاعتداء كاد أن يودي بحياته.
شارك في ندوة بدوي الجبل باحثون ونقاد مثل: د. نذير العظمة، د. شاهر أمريرو محمد عباس علي، وفاروق شوشة، ود. سالم المعوش، ونبيل سليمان، ود. عبدالله أبو هيف، ود. هدى أبو غنيمة.
ود. عبد الواحد لؤلؤة الذي رأى أن ثقافة الشاعر بدوي الجبل وكذلك موهبته الشعرية تتعامل مع (الصورة) بشكل فيه من الأصالة ما يدعو إلى العجيب حينا، وإلى الاستغراب حينا، وهذه الصورة هي التي تمنح الشاعر التفرد والتميز.
ومن السمات المهمة في شعره أيضا التمحور على الذات في نرجسية طريفة تضارع بعض الميل نحو التجديف في تركيزها على الوحدانية و التفرد، وهو بعض ملامح الأصالة في هذا الشعر العجيب.
هل كانت هذه الندوة هي مصالحة السياسي للشاعر وهل نعتبرها مصالحة فيها تتويج لزعامة الشعر الذي يبدو أنه لا يزال يشكل قوة ردع ثقافية في العالم.
دمشق ـ أنور محمد: