الاستطلاع الذي نفذه معهد جالوب لصالح محطة الـ «بى. بى. سي» البريطانية باسم «صوت الشعوب» يعد مناسبة جيدة للتفكير في مستقبل الثقافة السياسية على المستوى العالمي. فقد طبق الاستطلاع في 68 دولة تنتمي لمختلف قارات وأقاليم العالم.
وشمل 51417 شخصاً يقول جالوب إنهم يمثلون 1,3 مليارات نسمة، أي نحو خمس البشرية. ومن المثير أن المعهد لم يمد هذا الاستطلاع إلا لدولة عربية واحدة هي مصر.
لو صدقت نتائج هذا الاستطلاع لأمكن رسم «بروفيل» ثقافي للعالم. ملامحه ترتسم كما يلي: سكان العالم ككل لا يثقون كثيرا في الحكومات ولا يعدونها ممثلة للشعوب إلا بدرجة محدودة، وهم لا يثقون بالذات في الطبقة السياسية:
أي المشتغلين بالحكم بما في ذلك البرلمانات والأحزاب السياسية، وهم يتوجهون بالثقة أساسا لرجال الدين والمثقفين. ويفضل أغلب الناس في العالم تعريف هويتهم بالجنسية أو الأمة والقومية التي ينتمون لها بالمقارنة بالدين.
أو الجهات المكانية الإقليمية التي يعيشون فيها أو الجماعات العرقية التي ينتمون لها، كما أن نسبة عالية من الناس يتوحدون مع العائلة ويعتقدون أنها هي المؤثر الأكبر على حياتهم. وتعتقد الأغلبية أن بوسعهم التحكم في مصائرهم الشخصية والتأثير على حياتهم بأنفسهم.
وثمة بالطبع فروق مهمة في الرؤية بين مختلف أقاليم العالم، وثقافاته. أبرز هذه الفروق أن المسلمين مع البروتستانت ـ دون غيرهم ـ يميلون لتغليب الانتماء الديني على الانتماء القومي، والتأثر برجال الدين أكثر من الزعماء السياسيين أو المثقفين.
وقد تبدو هذه النتائج مفهومة أو متوقعة، ولكن نتائج أخرى وخاصة فيما يتعلق بالاختلافات بين الأقاليم السياسية والثقافية الكبرى في العالم مدهشة أو غير مألوفة على الأقل لأكثر المراقبين المتبحرين في الثقافة السياسية المقارنة. وعلى سبيل المثال، يقول استطلاع الـ «بى. بى. سى» إن الدين يبرز في أميركا الشمالية باعتباره عاملاً حاسماً في التوجهات القيمية للناس.
وهم يثقون برجال الأعمال أكثر من غيرهم، ولا تلعب العائلة سوى دور محدود في القرارات الشخصية. إذ تتناقض هذه النتائج مع فشل موجة الأصولية المسيحية في الولايات المتحدة في تغيير أسلوب الحياة «الليبرالي» بالمقارنة بنجاحها الملحوظ في تغيير التوجهات السياسية لهذا البلد.
وتتسم الثقافة الأميركية بعداء ملحوظ لرجال الأعمال الكبار. وتلعب العائلة في الواقع دورا كبيرا في الحياة الاجتماعية للناس هناك، كما يمكن لأي شخص أن يلحظ من التمثيليات الأميركية المعروضة في التلفازات العربية والتي يسميها الأميركيون «بتمثيليات الحساء».
ومن ناحية أخرى فسكان أميركا اللاتينية يعرفون هويتهم بالإشارة إلى عامل الجنسية أو الوطنية رغم أن النزعة الوطنية كانت تعد ضعيفة في هذه القارة لأنها مركز كبير للاستيطان الحديث وأغلب بلادها تتكون من جماعات عرقية مختلفة إلى حد بعيد. ومن المذهل أن يعد الناس الدين عاملا أقل أهمية من الجنسية رغم ما هو معروف عن القارة من انتساب عميق للكنيسة الكاثوليكية.
أما في أفريقيا فنتائج الاستطلاع تبدو أكثر مدعاة للدهشة، حيث يقول إن الأفارقة يعرفون هويتهم بالدين بأكثر من أي اعتبار أخر، بالرغم من أن نسبة عالية للغاية من سكان القارة ما زالوا يؤمنون بأديان طوطمية، حيث لا يوجد رجال دين بالمعنى المعروف في الأديان السماوية.
وربما تعود هذه النتيجة إلى التركيز على نيجيريا حيث تنتعش حركة إحياء إسلامي في الشمال. وأكثر ما يثير الحيرة هي نتائج الاستطلاع في مصر، حيث وصلت نسبة الذين يعرفون هويتهم بالدين إلى 87% بالمقارنة بـ 2% فقط يعرفون أنفسهم بالجنسية.
وتبدو هذه النتيجة منطقية ومتوافقة مع صعود تيار الإسلام السياسي ومستويات التدين بصورة عامة، ولكنها أيضا تعد مثيرة للجدل من حيث إن مصر بلد قديم استكمل عناصر بناء الأمة الحديثة منذ عقود، وهو يتناقض مع ما هو معروف عن المصريين من غيرة وطنية شديدة وفخر عال بانتمائهم إلى هذا البلد.
أما نتائج الاستطلاع بالنسبة لإسرائيل فتبدو متوقعة وان كانت مثيرة للاهتمام، فنسبة عالية للغاية تثق بالعسكريين وهو أمر متوقع في مجتمع عاش حتى الآن في دولة-ثكنة. وتعرف نسبة عالية للغاية هويتها الأساسية بالجنسية( 60%) بالمقارنة بالدين (13%) ومع ذلك يحظى رجال الدين بثقة عالية من 32% من السكان.
والطريف أن الإسرائيليين من أقل شعوب العالم ثقة بقدرتهم على التأثير على حياتهم أي التحكم في مصيرهم الخاص، وقد يعود ذلك من جديد إلى طبيعة الدولة كمعسكر عليه أن يخوض صراعا لا ينتهي لإتمام نهب الأراضي وقهر الشعب الفلسطيني. وإذا افترضنا أن نتائج هذا الاستطلاع تعبر فعلا عن الواقع، فانه يثير قضايا بالغة الأهمية.
أولى هذه القضايا تتعلق بالمستقبل السياسي للبشرية. فالاستطلاع يوجه ضربة قوية للفكرة الديمقراطية التي ينظر لها في عالمنا العربي بالذات باعتبارها محط الآمال في بناء نظم سياسية جديدة تخلص العرب من الاستبداد والفساد. فالاستطلاع يقول إن الديمقراطية لم تنجح في التعبير عن الشعوب، كما ترى الشعوب نفسها.
ورغم الدهشة التي تعترينا فوجهة النظر هذه تترجم حرفيا واقع الحال في الديمقراطيات الغربية حيث يتم انتخاب الرؤساء والحكومات بنسبة لا تزيد كثيرا في العادة عن 35% من الأصوات.
ويعني ذلك أن على البشرية أن تفكر بعمق في صور مستقبلها السياسي، لأن الديمقراطية الشكلية قد تعد أفضل النظم ولكنها ليست بالضرورة نظاما فاضلا، إلا إذا استكملت ومنحت معاني ودلالات أعمق من مجرد القول بأنها حكم «الأغلبية».
ثانيا: ان ثمة إرادة عالمية لتمكين الدين والعائلة من القيام بدور أعمق وأوسع في حياة الناس في كل مكان. ويمثل هذا بدوره تحديا كبيرا لأن هناك فارقا كبيرا بين تمكين الدين والدور الذي يلعبه المتحدثون باسمه، وأفكارهم والسياسات والمواقف التي يدعون إليها والتي تتسم بالتشدد تجاه الآخرين وقد تقود إلى عصر جديد من الحروب الدينية.
ثالثا: ان ثمة حاجة لتوسيع دائرة الاختيارات أمام الناس لكي يشعروا بالاقتدار أو القدرة على صنع حياتهم، ويعكس الاهتمام بهذا الجانب أكثر عناصر هذا الاستطلاع استنارة، لأنه يلقي الضوء على معنى الحرية.
فالشعور بأن هناك قوى كاسحة في المجتمع تتحكم في مصائر البشر حتى في المجتمعات الديمقراطية الغنية يخمد حس التحقق والإشباع النفسي الناتج عن حق الاختيار، كما أن هذا المعنى يضاعف أهمية ما نسميه بالتنمية البشرية، أي التركيز على التعليم والصحة والثقافة والتدريب والرياضة وغيرها من العوامل الضرورية لنمو الشخصية وتمكينها من الاختيار المثقف.
وبوجه عام يظهر قدر كبير من الاختلاط والتشوش فيالبروفيل الثقافي للعالم كما يبدو من هذا الاستطلاع. ويخيل لي أن التشوش يسكن في عقول الناس في هذا العصر، وفي هذا الاستطلاع نفسه أيضا.
د. محمد السيد سعيد