اختلطت زفرة «الشيشة» مع شهقة الاحتجاج الذي ابداه ذلك الشاب اليافع في المقهى وهو يتابع مباراة ليلة القبض على ريال مدريد امام سيلتا فيغو بالدوري الاسباني. لم يكن م. عبيد قد احترف بعد عادة تدخين الشيشة ولم يكن اصلا قد حط رحاله في المقهى طلبا لـ «المعسل» أو «التفاح» .

بل عرج على المقهى ضمن مجموعة من اصحابه انسجاما مع ظاهرة التشفير الرياضي التي اصبحت «موضة» لدى بعض القنوات الفضائية كلما نجحت تلك القناة في ابرام صفقة «البث الحصري» لاحدى بطولات كأس العالم أو احدى بطولات دوري الاقوياء في اوروبا.

وعلى قاعدة « من يحضر السوق يتسوق» و«اذا جن ربعك عقلك ما يفيدك»، اضطر عبيد الى مسايرة اصدقاء الشيشة بأن يجرب وهو يدرك ان ما أوله دلع .. اخره ولع ولئن شعر بالبداية بشيء من الدوخة فقد اصابه الشد العصبي مع فريقه المفضل ريال مدريد الذي ذاق خسارة مريرة امام منافسه.

حكاية عبيد هي ذاتها حكاية العشرات من الشباب المواطن والعربي الذين اضطرهم التشفير الفضائي الرياضي الى ارتياد المقاهي، وهي حكاية لم تبدأ مع الجزيرة بل قبل ذلك القنوات التي سبقتها في التشفير مثل ايه ار تي وابوظبي الرياضية وغيرهما. ومع ان التشفير بحد ذاته لم يكن لدفع الشباب نحو مقاهي الشيشة بل ان التدخين هو احد الظواهر العريضة لنتائج التشفير.

وبغض النظر عن كلفة التشفير الرياضي، واسعاره التشجيعية لدى الجزيرة، وعن الاسباب والمسببات التي دفعت القناة الرياضية بهذا الاتجاه، الا ان شبابنا وجد نفسه وهو العاشق للدوري الاسباني والايطالي وكأس العالم طبعا وجها لوجه امام شاشات التلفزيون في المقاهي ومن لم «يشيش» مباشرة اصبح بحكم الشم والجو العام متأثرا ومستعدا ومهيأ لان يجرب او بأحسن الظروف مدخنا سلبيا من جراء استنشاق ما يزفر به الاخرون.

التشفير والشيشة سبب ونتيجة وشبابنا الرياضي وهو البعيد بحكم المنطق عن التدخين يبدو معرضا لان يكون ضحية من ضحايا التشفير. ومن لايصدق فليتذكر ابان كأس العالم في نسخته السابقة عام 2002 في اليابان وكوريا كيف كان شبابنا يرتادون مقاهي الشيشة المكتظة وقت الصباح او الظهيرة ( بحكم فارق التوقيت ).

يقول الشاب علي عبدالله احد المدخنين السلبيين، ان المشكلة سوف تتفاقم ابان مونديال المانيا 2006، لان القنوات الفضائية تتنافس بشدة للحصول على صفقة «البث الحصري» لمباريات كأس العالم، وفي هذه الحالة ستلجأ الى التشفير كما لجأت من قبل محطة «ايه ار تي» ابان مونديال اليابان وكوريا 2002، ومن لم يتعلم التدخين حتى الان ستكون الفرصة متاحة اكثر امامه ابان المونديال ومن يصمد «مثلي» سيكون عرضة للتدخين السلبي.

* تحت سن 18

بأمر من البلدية، ترفع مقاهي الشيشة تحذيرا بعدم تقديم الشيشة لمن هم تحت سن 18 سنة، وهذا شيء جيد وطيب، ولكن كما يؤكد حسن موسى في غمرة الزحمة واثناء المباريات المهمة والجذابة لقطاع الشباب يختلط الحابل بالنابل ولا يستطيع المرء التمييز في الاعمار، ولم اشاهد عامل مقهى يطلب من شاب يافع ابراز بطاقته لمعرفة عمره فهذا غير وارد في المقاهي ومجرد ان يطلب الشاب الشيشة يجدها في ثوان معدودة بين يديه.

* السعر التشجيعي

لكن الشاب محمود حمد الله يدافع عن السعر التشجيعي لقناة الجزيرة ويقول ان هذا السعر فعلا جيد لانه يجدد بمبلغ زهيد لا يتجاوز المائة درهم سنويا لحملة البطاقات والمسابقة وبحدود مائتي درهم لمن لايملكون بطاقات تشفير سابقة والمهم ابقاء هذا السعر التشجيعي وعدم «تعديله» لان التعديل بالزيادة يعني فقدان الثقة والقدرة.

ويضيف: انا اتفهم التشفير لانه كما اعتقد مفروضا على اية قناة تحظى بامتياز تبث مباريات كأس العالم او احدى الدوريات العالمية القوية كالدوري الايطالي او الاسباني مثلا، ولو نظرنا الى هذا المبلغ لوجدناه ارخص بكثير من المبالغ التي يصرفها الشباب لارتياد مقاهي الشيشة او السنوكر وغيرها.

* شباب ضد التشفير

في احد المقاهي بدبي التقينا مجموعة من الشباب عشاق الرياضة الذين اجمعوا على معارضة التشفير وقالوا ان الاسعار تبدأ رخيصة ثم ما تلبث ان ترتفع رويدا رويدا.. فهد الزيودي قال: انا ضد التشفير الا انني مجبر للقدوم الى المقاهي لمتابعة فريقي المفضل سيما وانا متابع لكافة مبارياته بلا استثناء، واكمل قائلا: انا غير مدخن واتضايق كثيرا من سحب الدخان التي تملأ الاجواء في المقهى الا ان بقية الجوانب هنا ممتعة ومسلية.

واتفق معه سالم الزعابي والذي قال ان التشفير لايجده مغريا للذهاب الى السوق وشراء «الكارت» الخاص بالتشفير ولذا يأتي الى المقهى لمتابعة مباريات فريقه المفضل فقط. وشدد احمد سيف على انه ضد الاجواء الملوثة في المقاهي نسبة الى الكم الهائل من مدخنو «الشيشة» ولكنه مضطر للقدوم وتحمل هذه الاجواء رغم شعوره ببعض الالم في صدره كلما تواجد لحضور المباريات.

اما محمد قاسم قال: انني استمتع بمشاهدة المباريات في المقاهي لانها تضفي نوعا من الحماس في التشجيع والاجواء هنا تجعلني اكثر متعة في متابعة المباريات. وأيده في ذلك صديقه مأمون غسان الذي يرافقه في كافة المباريات وقال: المقهى يزيد عندي من بريق المباريات.

من جانبه اعتبر السنوسي ادم عووضه ان التشفير بات حاجة ملحة على القنوات الفضائية خاصة تلك التي تنقل بطولات تكلفها الملايين من الدولارات، وعن اسباب ارتياده المقاهي قال: الارجيلة هي السبب في ذلك لانني لابد ان اتناولها وانا اتابع المباراة فهي تسليني وتشد من انتباهي لمؤازرة فريقي.

* تشفير مركب

يرى الشاب محد جمعة ان التشفير المعلن من قبل قناة الجزيرة حتى الان، هو بثمن زهيد، وهذا مقدور على تسديده من قبل قطاعات واسعة من الناس، لكن ما يخشاه محمد ان يتم في المستقبل عملية «تشفير التشفير» ان صح التعبير، بمعنى اللجوء الى تشفير جديد بسعر جديد «مرتفع» ابان بطولة كأس العالم، وبذلك يصبح التشفير مركبا.ويطالب محمد ان تكون القنوات الفضائية صادقة مع الجمهور وعدم اللجوء الى التدرج في رفع الاسعار حتى يكون التشفير في متناول قدرة الناس اذا كانوا فعلا مضطرين اليه.

* الاماكن المغلقة

المشكلة تتفاقم اذا ما علمنا ان بلديات الدولة لجأت الى منع المقاهي من استخدام اجهزة التلفزيون في الساحات الخارجية، وحصرت ذلك في الاماكن المغلقة داخل المقاهي، فيقول جابر السويدي ان هذا ادى الى الاكتظاظ والاختلاط بالضوضاء، والاضطرار الى التدخين المباشر أو السلبي غير المباشر.

ويضيف: لا بأس من التذكير بأن الاماكن المغلقة عندما تكتظ بالناس هذا يدخن وهذا يلعب الورق وذلك ينادي بأعلى صوته ورابع زعلان لانه خسران ولا يوجد مرافق ملائمة كل ذلك من عوامل الضرر الصحي بحيث الانسان عندما تنتهي المباراة، تفوح رائحة الشيشة من ملابسه ومن جميع اجزاء جسمه، وهذا ضرر عليه وعلى افراد اسرته.

* التدخين الاجباري

لايقف التدخين الاجباري عند اسباب التدخين السلبي غير المباشر، اي وجودك في بيئة مدخنة من حولك، انما هناك عناصر تدفع الشباب باتجاه تدخين الشيشة ومنها ان بعض المقاهي تتقاضى ثمن الشيشة مع المشروب الساخن او البارد معا سواء طلبت الشيشة ودخنتها ام لا فانت تدفع الثمن بمجرد حضورك. ومن الاسباب الاخرى حب الاستطلاع والفضول لان الجميع من حولك يدخن فماذا انت فاعل؟

وهناك عامل التوتر المصاحب لكثير من الشباب أبان المباريات لاسيما مباريات البرازيل والكبار الاخرين فلابد من التفاعل مع المباريات والتعبير عن التوتر بأسباب عديدة منها الشيشة والسيجارة. ولئن بدأ التدخين اجباريا مع بداية المباريات فإنه يتحول تدريجيا الى تدخين اختياري بحكما العادة الكتسبة.

*ركن لغير المدخنين

ولعل لاقتراح الامثل، بأن يتم تخصيص اماكن لغير المدخنين في المقاهي واسعة الصالات. كما اقترح ثلة من الشباب غير المدخن الذين قالوا: اذا لم يكن التدخين «اجباريا» في المقاهي فبالامكان تخصيص ركن خاص لغير المدخنين مع جهاز تلفزيون خاص اثناء المباريات.

الشاب بشار شريم قال حول هذا الاقتراح: البعض قد يعتبره ضربا من الخيال او الطرافة الا ان ما اقصده لاننا كشباب لن نستطيع منع القنوات الفضائية من تشفير المباريات العالمية ككأس العالم او اقوى الدوريات الكروية، كما انه لابد لنا من مشاهدة هذه المباريات، كما لا نستطيع منع التدخين في مقاهي الشيشة فيمكن تخصيص اماكن لعدم التدخين وهذا حل مؤقت لكنه ممكن وليس صعبا.

* مقاه بلا شيشة

في بعض المقاهي لاشيشة ولايحزنون، وهي مقاه مشتركة في التشفير الرياضي الفضائي ويمكن لكثير من الشباب ارتيادها لاسيما داخل مراكز التسوق واماكن اخرى كالفنادق، لكن المشكلة كما يقول محمد ابو زهرة ان اسعارها مرتفعة وهي تبرر ذلك بارتفاع قيمة الايجارات، لو لجأت اثناء مباريات كأس العالم الى تخفيض اسعارها لاستطاعت جذب الكثير من الشباب الذي يفضلون مثل هذه الأماكن لانها نظيفة وملائمة من حيث الشروط الصحية والمرافق وغيرها من الخدمات.

* رأي الجزيرة

عن عملية التشفير وتأثيرها على المشاهد العربي، قال ايمن جادة مدير قناة الجزيرة الرياضية موضحا الاسباب التي دفعت قناته لاستحداث قناتين مشفرتين لبث الدوريين الايطالي والاسباني: إن الحقوق التي ضمنها القانون الدولي للقنوات الرياضية الأوروبية ألزمت الجزيرة الرياضية باحترام تلك الحقوق وأخذها في الاعتبار دون استبعاد ظروف المشاهد العربي وقدرته الشرائية من خلال التخفيف عنه بخفض أسعار بطاقات حل التشفير الخاصة بالقناة.

واضاف: أن قنوات رياضية كثيرة بالمنطقة عانت الأمرين من هذا الأمر وفرض عليها التحول فجأة إلى التشفير.وأوضح جادة أن كلفة تشفير القناة في حدود إمكانيات المشاهدين في المنطقة العربية وبأكثر من طريقة حسب رغبتهم وقدراتهم وأجهزة الاستقبال التي يملكونها،

مشيرا إلى أن بإمكانهم متابعة القناة بشراء البطاقات الذكية التي لن يتجاوز سعرها 25 دولارا أميركيا أي حوالي دولارين فقط شهريا، أو شراء بطاقة جيم التي تضم «الجزيرة الرياضية بلس بـ 50 دولارا لمدة عام كامل، والتي يمكن لمشتركي شبكة راديو وتلفزيون العرب (اي ار تي إضافتها إلى باقتهم ب25ـ دولارا سنويا فقط.

تحقيق وتصوير: عمر جمعة