افتتح مساء يوم الأربعاء الماضي المعرض الجديد للفنان التشكيلي الجزائري يس بلفرد في «جاليريا كورنر كافيه» في الشارقة. وقدم الفنان أكثر من ثلاثين لوحة متنوعة الحجم بين الكبير «الجداري» والوسط، في شغل على المساحة يشي بطابع استخدامي متقن.
إذ أن يس بلفرد يحدّد مساحة لوحته حسب ما يفرضه ويتطلبه التأليف، فهو لا يميل إلى ثرثرة حركية أو تلوينية في فضاءات لوحته. فكل بقعة من بقاع اللوحة لها وظيفة واضحة ومحددة في بنائية اللوحة العامة.
وكما المساحة تؤدي وظيفتها في لوحة يس بلفرد، كذلك هي الخلفية التي تتحوّل في كثير من الأحوال إلى أكثر من هامش لوني، فتتدرج إلى مركز المشروع البصري وتتحول إلى جزء من اللوحة، وهذه لعبة لها مخاطرها الكبيرة في عالم الفن التشكيلي خاصة وفي الفنون البصرية عامة.
فعملية إدغام الخلفية في فحوى النص مسألة صعبة، تتطلب تنوُّع الأساليب التفاوت اللوني. وفي تقطيع اللوحة وتفصيل خطوطها. وهذا ما يتقنه الفنان ويميزه عن غيره من أقرانه التشكيليين، فيدعو ذاته إلى مخاطرة واضحة ويعرف كيف يتجاوزها وينجح في عبورها.
* التأليف واللون والحوار
يشكل التأليف في لوحة الفنان يس بلفرد أهمية كبيرة فهو الأصل. وعليه تقوم بنائية المشروع البصري. فالفكرة الأولى تبدو كثقب مشهدي يحرض على اكتشاف مدى واسع ميتافزيقي وواقعي. فبقدر ما هو التأليف في أصله يسافر في عالم ما ورائي، بقدر ما هو متصل بالواقع في علاقة مركبة وجدلية ومتناقضة، كأن تكتشف علاقات بين أشياء ومعانٍ وأفكار.
لم يكن بالإمكان رؤية أية علاقات فيما بينها للوهلة الأولى، فما الذي يجمع القدم بالرأس، أو الاسترخاء بسلطة الثروة، أو الكرسي بزيد الماء، أو الطائر والتحليق بالثبات؟
بهذا المعنى يقدم يس بلفرد لوحته كمشروع تأليفي أولاً، فيذهب باتجاهات متعددة ولا يفقد الصلة بالقاعدة، التي انطلق منها. فمهما قدم من تناقضات متشاكسة ومتناقضة لا يصل إلى حدود الإفزاع، لأنه يعود من المسارب ذاتها التي دلف منها إلى مساحات قصية وبعيدة. فيتوقف تماماً حين يجب التوقف والدوران ليس إلى الخلف، بل ان الاستدارة هنا تأخذ منحى تعبيرياً مختلفاً، بين السابق واللاحق وبين ما نراه وما لا نراه متخفياً خلف بساطة تتطلب جرأة للولوج إليها.
بعد التأليف الذي هو أساس اللوحة في أعمال يس بلفرد يأتي اللون وتتبعه حركية الخطوط في مستوى ثان بالمعنى الزمني وليس بالمعنى التقييمي. والمقصود أن التأليف مادة أولى واللون والخط مادة ثانية هذا صحيح، لكن ليس قيمة أسبقية للأول على حساب الثاني، فالعناصر هنا تتساوى في أهميتها لو جاءت في ترتيب سلمي.
والذي بلغت حقيقة في لوحة بلفرد في استخدامه اللون برمزية تؤكد حكاية التأليف، إضافة إلى استنباطه لألوانه الخاصة وجرأته الثانية أيضاً على استخدام اللون الأسود، الذي يعتبر في علم اللون وأكاديميات الفن التشكيلي بأنه ليس لوناً، لأنه لا يتفاعل كيميائياً مع الضوء.
وفي لوحة الفنان يتجاور الأسود كظل للضوء، وهو ليس أسود اعتيادياً أو تقليدياً، فيبدو عاجياً، وشفافاً يضعه الفنان على الدوام كطبقة ثانية فوق الطبقة الأولى التي تتكون في أكثر الأحيان من ألوان مضيئة تعدل من جفاف الأسود وبرودته التفاعلية، وهذا يتضمن تقنيات بلفرد العالية وتفرده في تشكيل اللون.
كل الألوان التي يستخدمها الفنان، مثقولة بعناية ومتميزة وتحمل خاصيتها وتأتي إلى جانب الخطوط الموحية، والتي دائماً تشير إلى حواريات بين الإنسان والشكل والمكان والزمن، دفعة واحدة، فالخط أحد أبطال النص البصري عند بلفرد، وهو يؤكد عبره قولية اللوحة ويساهم في دفع المشاهد إلى قراءتها بوضوح، ومن دون زوغ.
فيفتح سطوح المشهد البصري ويسحب الرائي إلى فحواه، ويؤدي به إلى تفاؤل وفرح وحب، هم من أساسيات كل أعمال الفنان. ففي كل عمل معروض هنا تجد هذه الدعوة للفرح، الذي هو فرح طفولي أولي، لا يتقدم كادعاء مجاني، بل يصبح ضرورةودعوة للتفكر والتفكير ببساطة.
إذن التأليف والخط واللون والحكاية كلها عناصر أساسية في لوحة الفنان يس بلفرد، وهي عناصر متساوية كما أسلفنا ولو جاءت في شكل تراتبي، وهذه العناصر تترك أعمال الفنان متميزة في مساحات الفن التشكيلي العربي، وتقدم لوحته من دون مرجعية غربية، فأعماله لا تشبه أي أعمال في الغرب.
وهي تحمل هويتها الشرقية العربية بالمعنى الثقافي وليس بالمعنى «السياسي أو القومجي»، بعدما صدمنا كثيراً من فنانين عرب يقدمون أعمالهم وبصمات التقليد للفنون الغربية واضحة، وقد يكون هذا الأمر أكثر ما يلفت في معرض الفنان يس بلفرد الذي يستمر معرضه حتى آخر الشهر الجاري.
حسين قطايا