كثير من الوزراء والمسؤولين في وزارات مصرية متتابعة قدموا استقالاتهم في صمت لكنها رفضت. لان نظام الحكم لم يعتد أن يقدم مسؤول استقالة ويخرج إلى الناس بطلا يتحدثون عنه.
وتشير المعلومات إلى وزراء ومسؤولين عديدين تقدموا باستقالاتهم فعلا، لعل أشهرهم بين المثقفين المصريين استقالة صلاح عبد الصبور التي تقدم بها للسادات أكثر من مرة،عندما كان رئيسا للهيئة المصرية العامة للكتاب.
وكان عبد الصبور قد استشعر ككاتب ان الدولة تحرجه بإشراك إسرائيل في معرض القاهرة الدولي للكتاب لكن السادات رفض استقالته وعنفه بأقذع الشتائم التي لا يمكن كتابتها أو قراءتها، لكن المثقفين المصريين لم يعرفوا هذه الوقائع في حينها، ومنهم من اتهم الرجل بالخيانة، غير ان هذه القصة محفورة بحذافيرها في رؤوس عدد من الذين كانوا قريبين من الشاعر الذى مات عام 1981.
ومع هذه الخلفية يأتي السؤال: هل كان سيخرج فاروق حسنى بطلا اذا «قبلت »استقالته على الرغم من أنها جاءت على خلفية مصرع ما يقرب من 50 فنانا وناقداً أثناء عرض مسرحي في بني سويف ؟.
الا ان الانباء الواردة من القاهرة أكدت أمس أن رئيس الوزراء الدكتور أحمد نظيف طلب من فاروق حسني الاستمرار في مهام عمله بناء على تعليمات الرئيس حسني مبارك.
المحيطون به، أو المنتفعون من وزارته ـ حسبما أكدت مصادر مطلعة لـ «البيان»- تجمعوا في بيته على نيل القاهرة وتناولوا عشاء فاخرا وحاولوا إثناءه عن الاستقالة واتصل به رئيس الوزراء ليثنيه عنها ويعلن ان الأمور تجري في مسارها ولا شيء قد حدث لكن حسنى فاجأ رئيسه بأن دعا قناة الجزيرة لتكون الاستقالة مدوية.
فما رأي المثقفين المصريين في ذلك ؟ يقول الشاعر أحمد الشهاوي:
فاروق حسنى فنان كبير له أخطاؤه وله حسناته وله مستفيدون من ورائه كوزير، أعرف أن بعض خلاصائه نصحوه أمس الأول بعدم التراجع عن الاستقالة مؤكدين ان التاريخ سيذكر له هذا الموقف، فهل اجبر على الاستقالة، وهل الدولة جعلته كبش فداء للديمقراطية الشكلية. إنه رجل دولة رفيع المستوي.
مؤكداً ما يدور في «الباب العالي» ولا يمكن ان يقدم على خطوة كهذه إلا إذا كان يدرك عواقبها فهل كان يختبر الدولة ؟ وهل توجد لديه معلومات بأنه لم يبق أمامه سوى شهرين فقط ليخرج من الوزارة فآثر ان يستقيل بشرف؟! وهل التشكيلة الجديدة لوزارة الانتخابات الرئاسية لا تريد رجلا أمضى في مكانه ما يقارب العشرين عاما منذ حكومة الدكتور عاطف صدقي ؟!
أوضح الشهاوي أن خلصاءه بكوا لحظة إعلانه لاستقالته، وشمت «أعداؤه» ويقول : بالنسبة لي أنا مع الاستقالة التي يرسي بها مبدأ ان يستقيل وزير عندما يخطئ رجاله وموظفوه ومسؤولوه الكبار.
ولا أخفيك قولاً أن أرامل المحترقين في قصر ثقافة بني سويف اتصلوا بي أمس معربين عن إحساسهم بالراحة الشديدة لهذه الاستقالة التي تشفي قليلا مما هو دفين في القلوب.
ويقول الكاتب والأديب يوسف القعيد: حتى الآن ليست الاستقالة نهائية، فالصيغة التي قدمها الوزير تقول إنه وضع استقالته بين يدي الرئيس، ولم يعلن صراحة استقالته مسببة دون تراجع، والمتعارف عليه ان تقدم الاستقالة واضحة، أو أن يقال المسؤول من موقعه، وفي اعتقادي ان شخصنة قضايانا والتركيز على الأفراد أمر له خطورته، القضية تخص حكومة بكاملها هي مقصرة بالأساس في الكثير من قضايانا، ولن تحل المشاكل باستقالة وزير، ولابد من سياسات ثقافية جديدة تتلافى السلبيات ولا ترمم ما هو قائم.
وشن جمال الغيطاني هجوما عنيفا قائلاً: لا أعرف إذا كانت الاستقالة حقيقية أم مناورة، وماذا تعني الآن؟ هل يخرج من الوزارة بسلام وكأن شيئا لم يحدث، ويضيف الغيطاني:
هذا الرجل أفسد الثقافة المصرية لما يقرب من 20 عاماً ولابد ان يحاكم سياسياً وجنائياً عن المحارق التي حدثت في عهده ولعل آخرها حريق قصر ثقافة بني سويف الذي أباد خيرة شبابنا من المسرحيين، ولماذا يستقيل الآن وفي فترة توليه منصبه ما يستحق الإقالة والمحاكمة منذ سقط كتف أبو الهول واحترقت المسافر خانة وباب العزب ووصلت الثقافة على يديه إلى الحضيض، وطالب الغيطاني بمحاكمة الوزير على استخدامه منصبه في التربح متسائلاً:
من أين له بثروته التي لا تحصى ونحن جميعاً نعرفه قبلها متواضع الحال والآن يملك قصرا منيفا بجوار الثري العربي ناصر الخرافي، وقصراً في سيدي كرير، ومرسماً فخماً في الزمالك، وشقة على النيل، واستراحات هنا وهناك.. فمن أين أتى بكل هذا؟..