بحسب الشاعر الفرنسي رينيه شار، فإن الشاعر لا يختار متى يكتب القصيدة وإنما الشعر هو الذي يحدد متى وكيف.. ومثل هذه العلاقة التي ترى في الشعر كائناً مستقلاً وطاقة كونية عليا، آمن بها الآلاف من الشعراء في العالم.

كما اصطبغ نتاج معظم هؤلاء بالاختزال العالي لمضمون الخطاب الشعري، والاختزال كان يقود بدوره إلى نوع من الزهد في التعامل مع الهبة الشعرية وعدم إهدارها في نتاجات (مسلوقة) او مكررة بغرض الإكثار أو تفريغ الشحنة الشعرية عن آخرها.

لهذا نجد بعض الشعراء الكبار في العالم يكتفون بمجموعة شعرية او مجموعتين أو ثلاث على الأغلب، وفي المقابل هناك شعراء يتعاملون مع الشعر كصناعة محضة، وسبق لي أن تعرفت على شاعر عربي كان قد أنجز 32 مجموعة شعرية .

وهو في الخمسين من عمره، وبحساب عدد القصائد في كل مجموعة وتقسيمها على عدد أيام السنين تبين لي انه كان يكتب كل يوم ثلاث قصائد خلال ثلاثين سنة بلا توقف، واحدة مع قهوة الصباح والثانية ربما بعد القيلولة والثالثة مع بداية سرة الليل أو في آخره، وكان هذا الشاعر ( مثله كثيرون) يتجول في المدن والمهرجانات بحقيبة الشعر، وهو جاهز باستمرار لإخضاع الشعر إلى قلمه وورقته ووقته.

بين الشعر الحقيقي والشعر (المسلوق) فارق بسيط هو الحياة، فالكلمات تولد وتموت أيضا، والقصيدة الحية هي تلك التي تخرج كلماتها من القلب وهي تنبض وتتوهج في اشتعالات الكون، والشعر الحي هو تلك الانفلاته الشاردة عن اي تنوع من الوعي، هو الشرارة التي إذا نزلت على العشب يصبح الأخضر أغنية في فم المهاجر إلى الصحراء، ويكون القمر قد استقر في قلب العاشق ونام.

وبحسب رينيه شار، على الشاعر ان ينتظر طويلا اذا هجره الشعر، ومن عادة الشعر ان يهجر وان يتمرد على صاحبه وان يقصيه أيضا وربما يقتله. لا بأس، مادامت العلاقة بين الاثنين تقود إلى بعث متجدد للمعاني التي يريد الشعر أن يمررها إلى العالم. ومهمة توصيل معاني الشعر إلى العالم تستحق مثل هذا الانتظار والصبر والمكابدة.

والشاعر في هذه الحالة يرتفع إلى الدرجات العليا ويتحول إلى وسيط روحاني تتجمع فيه طاقة الشعر الكونية العالية وتخرج على شكل نصوص.. وللوصول إلى حالة (الوسيط) يحتاج الشاعر إلى الكثير من المران والبحث والتأمل الصافي.. هكذا نجد الشعر لدى جبران مثلا وكأنه رسالة كونية قيلت بلسانه.. وهكذا الحال في قصائد طاغور والمتنبي وبقية رسل المعرفة على مر العصور.

قال جبران من قبل: «ستبقى الفراشة متنقلة في الحقول وقطرات الندى لامعة بين الأعشاب بعد أن تمحى أهرام مصر ولا يبقى أثر لأبراج نيويورك». ومثل هذه الإشارات التي تصنع الحياة كثيرة وحقيقية وما على الشاعر سوى التمرس حتى النخاع كي يصل إلى مرحلة استبصار الحقيقة بدلا من التغني، بلغة مصطنعة، على انقضاء الأيام ودوام الوحشة.

akhozam@yahoo.com