لكل حقبة تاريخية فنانوها الذين تجسد إبداعاتهم صورة رمزية معبرة عن مشكلات وطموحات المرحلة. وهو ما نراه في أعمال الفنان الألماني ألبريخت ديرر وتمثاله النحاسي المعبر عن الكآبة، الذي يعود تاريخه إلى عصر الفلسفة الإنسانية، والمعروف باسم «ملنخوليا». ومثله لوحات الفنان الإسباني الأصل «فرانشيسكو غويا» التي رسمها في عصر التنوير، التي تحمل إحداها ( النزوات) وهي لوحة من فن الغرافيك عبارة «عندما ينام العقل تظهر الشياطين».
في هذه اللوحة الصغيرة، يشخص العقل ليظهر في صورة رجل ينام على طاولة. وفوق رأسه، كتلة هائلة من الظلال تطل منها وجوه الوطاويط وطيور البوم الشيطانية مجسدة العتمة وحالة الخوف.
وهي مستعارة من الحلم البغيض. صورة مليئة بالغموض لا تزال مثيرة للأسئلة. هل هي تداعيات ذهنية ؟ أم أن العقل نفسه يظهر فيها خاضعاً لتهديد الشياطين لأنه يغط في نوم عميق... لا أحد يدري!
الغموض ذاته يحيط بتمثال الفنان كارل فريدرك رويترسفيرد 1988 الذي يبدو كما لو أن موضوعه مستوحى من المشكلات والطموحات التي نواجهها في حياتنا المعاصرة، على الرغم من أن شعورك بأنه لا يوجد الكثير من ذلك.
المسدس ذو الفوهة المعقودة. يقول لك المشعوذ العجوز البارع: إن الأمر برمته يبدو في منتهى السهولة. هكذا تفعل -ردد هذه العبارة... هوكس بوكس، والآن هاهي فوهة السلاح الذي يشكل تهديداً خطيراً مربوطة ومثيرة للضحك.
يجيبه المشككون: لو أن الأمر بهذه السهولة، لما كانت حياتنا ستمضي على هذا النحو، ولأصبح العالم حينئذ مكاناً آمناً تماماً. على أرض الواقع، لا تزال فوهات البنادق مسددة إلى رؤوس أولئك الذين ليست لديهم أسلحة، أو أولئك الذين لا يوجد لديهم سوى سلاح واحد، معقود الفوهة. لتتوجهوا فوراً إلى أقرب تاجر أسلحة ترونه في طريقكم وتشتروا سلاحاً آخر بفوهة غير مربوطة.
بهذه الطريقة كنت ترى المجسم الذي أزيح عنه الستار أخيراً في برلين، دون أن يتجاوز كونه حلماً؟ مجرد رؤيا لأحد الفنانين شديدة الغموض وجدت لها مكاناً خارج مقر المستشار الفيدرالي، وعلى الرغم من إمكانية استحواذها على الإعجاب يمكن استقبالها بموجة من الإطراء المليء بالسخرية من قبل جماعات الضغط المسلحة.
ثمة ما نقدمه أيضاً من مقترحات بهذا الشأن: «إن نسخة صغيرة من هذا السلاح العاجز ستكون الهدية المناسبة للرئيس الأميركي الحالي، لأنه مغرم برؤية نفسه في صورة راعي البقرالذي يشهر مسدسه في وجه الشر.
إنني على الرغم من هذه التعليقات، ما زلت أحيي كارل فريدرك رويترسبيرد، الفنان الذي ابتكر هذا الرمز المناهض للعنف وما زلت أؤكد على أن هذا هو المكان المناسب لمسدسكم المعقود. إنه الآن في برلين، أمام مقر المستشار، بالقرب من مبنى البرلمان، في مكان لا يزال فيه لكل من الرأي والرأي المعارض (نعم و لا) وزن.
لقد دشنت ألمانيا، خلال القرن المنصرم، حربين وما زلنا نشعر بالآثار المترتبة على ذلك إلى اليوم. وبالتالي فإن على كل من الأخوة المواطنين وممثليهم الديمقراطيين أن يستقوا العبرة من هذه الدروس. هذه الدروس التي جعلت الحكومة الحالية تتصرف بدافع من الشعور بالمسؤولية بقولها «لا» للحرب العراقية التي لا تزال رحاها مستعرة حتى اللحظة.
هذه « اللا» تضرب بجذورها عميقاً في تلك التجربة المليئة بالأسى والمعاناة التي تجسدها فوهة المسدسة المربوطة. في كل يوم نستمع إلى شيء مما يتعلق بالتبعات الوخيمة التي يترتب عليها استخدام هذه القطعة من السلاح التي تعبر عن سوء التصرف السياسي، وعن الإرهاب والإرهاب المضاد الناجم عن هذه الحرب التي يبدو كما لو أنه لا نهاية لها. إن هذا ما يبرر لنا الإبقاء على كلمة « لا» لو أن ثمة ما يقال.
غير أن ذلك ينبغي له أن يكون استشرافاً للمستقبل بالنسبة للحكومات، وبالطبع لنا كلنا، إذ أن ما سنواجهه من تحديات لن يكون سهلاً كما ندرك هذا جيداً. والواقع أن مشكلاتنا تتفاقم دون أن تتوفر لدينا فرصة الوقوف على أسباب ما يجري. إن القوة العسكرية لا يمكن لها أن تكون الإجابة التي نبحث عنها، ولا يمكن لنا أن نتغلب بها على أزماتنا.
وكما تعلمنا تجربة الإرهاب الذي تتصاعد وتيرته، فإن هنالك احتمالاً أكبر لأن تفاقم هذه القوة يزيد المشكلات وتزيد الأوضاع تعقيداً. إن ما نحتاج إليه في حياتنا هو الرؤية المدنية بدلاً من العسكرية. لذا فإن مشاهدة الناس الدائمة لتمثال المسدس ذي الفوهة المربوطة ربما كانت ستساعد على ذلك.
أياً كانت حالة الطقس، فإن هذا المجسم سيعيننا عل قراءة المستقبل مثلما سيعيننا كذلك على قراءة الماضي. فقبل ستين سنة من الآن، عندما استسلم الرايخ العظيم، كانت وصيته أن تترك الأمة في حالة من التناحر. ومنذ ذلك الحين، تحتم علينا نحن الألمان أن نتحمل مسؤولية جرائم الحرب والقتل الجماعي، تلك المسؤولية التي توارثناها جيلاً بعد جيل. والحقيقة أن ألمانيا واحدة من الدول القليلة المهيئة لتحمل تبعات ماضيها.
والحقيقة أن هذه الرؤية الثاقبة هي مما قد يفتقر إليه، أحياناً، حتى أصحاب الانتصارات التاريخية أنفسهم. ولذا عاجز حتى عن إدراك الأسباب التي تحمل الرؤساء الأميركيين على عدم الاعتراف بجرائم الحرب التي ارتكبوها ومنها قصف مدينتين يابانيتين بالقنابل الذرية والقتل المستمر لمئات الآلاف من المدنيين، على الرغم من حاجتهم الماسة إلى ذلك طوال الستين عاماً الماضية.
لقد تضاعف إنتاج الأسلحة النووية، منذ ذلك الحين، وصارت تطلق على أنواع حديثة منها أسماء تحمل على السخرية مثل القنابل الذرية «ذات القدرة التدميرية في نطاق محدود».
إن الرسالة التي تنطوي عليها عقدة فوهة المسدس هي ذاتها التي تنطوي عليها الرسائل التي تتضمنها أعمال البريخت درر ولوحة غويا عندما ينام العقل، الواقع أن كلاً منها تتضمن رسالتين إحداهما رمزية والثانية تحذيرية.
ترجمة: مريم جمعة فرج