لا يعتقد الباحث سلطان بخيت العميمي أن ثمة منجزاً في التاريخ، ولا يكتشف ـ مصادفة ـ قبراً لأحد العظماء فيبني عليه شغله وشهرته، إنه باحث دؤوب، يسافر بحثاً عن الرواة، ويسعى وراء المدوّن في الصدور والمخبأ تحت غبار المخطوطات القديمة.
. يعيد اكتشاف المكتشف، ودائماً يضيف جديداً، كما حدث في كتابه عن الماجدي بن ظاهر بين الكتابة والتدوين، الذي نشر فيه قصائد جديدة للشاعر، وخصص فصلاً كاملاً يدور حول مالم يدون عن ابن ظاهر، وظل حبيس صدور الرواة وعالم الشفاهة.
وإكمالاً لسلسلة الأعمال التي قدمها الباحث سلطان العميمي عن شعر وسير الشعراء الشعبيين الإماراتيين كسالم الجمري وعلي بن قنبر، يقدم للقراء ويضيف للتأريخ كتاباً جديداً عن الشاعر سالم بن علي العويس (1887 ـ1958) يتحدث فيه عن حياته وأشعاره العامية، متكئاً على أنه لا مسلمات في التاريخ.
ولا اكتمال في أي بحث من البحوث المعتمدة على الذاكرة الجمعية للشعوب، فبعد كل الذي كُتب عن الشاعر سالم بن علي العويس، يعود إليه من جديد ليبدأ العمل على ثلاث جهات، الأولى تحقيق القصائد المدونة، الثانية جمع ما لم يدون بعد، والثالثة تدوين سيرة حياته التي مرّ فيها بأحداث ومراحل كثيرة تستحق البحث والوقوف عليها، كمبادئه ومواقفه وتعليمه وأسفاره وعلاقاته.
أما شعره النبطي الذي لم يعرف عنه إلا القليل جداً من خلال بعض القصائد التي نشرها الشاعر الراحل حمد خليفة بوشهاب في كتابه «تراثنا من الشعر الشعبي» فلم يكتف الباحث بقراءته أو المرور على قصائده مرور الكرام، بل قام بتحليله ومراجعته بدقة متناهية، لأنه يختلف كثيراً في الأسلوب عن معاصريه وأقرانه، سواء من حيث البناء أو الأغراض.
وبسؤالنا الباحث سلطان العميمي عن سر ذلك الاختلاف في ذاك الزمان، وعدم اهتمام الباحثين بشعر العويس النبطي، قال الباحث إن قصائد الشاعر سالم العويس كانت عامية مثقفة، مختلفة من حيث البناء والأسلوب والأغراض واللغة، فالشاعر لم يهتم بالسائد من الموضوعات كالغزل والمديح وغيرهما.
بل اهتم بالمشاكل العامة والأغراض السياسية والقضايا الجوهرية، وثمة صعوبة في قصائده من حيث بعدها الفلسفي أو الذاتي والنفسي، ومن حيث استخدامه للغة فصيحة جزلة والغريب من مفرداتها، والذي يقرأ قصائده الآن يعرف أن الشاعر كان سابقاً لزمانه ويكتب للمستقبل.
وأضاف الباحث ان الشاعر كان يفضل الا يلقي القصائد العامية في المناسبات والصالونات الأدبية التي كان يرتادها، ومع ذلك كان يدون قصائده العامية كما يدون الفصيحة.
والشاعر حمد بوشهاب الذي اهتم عن دونه من الباحثين بشعر العويس العامي، ونشر بعض قصائده في كتابه «تراثنا من الشعر الشعبي» اطلع عام 2000 على مشروع العميمي وشجعه على الاستمرار بما كان يرغب في عمله، ووعده ان يكتب له مقدمة الكتاب.. لكن رحمة الله عليه وافته المنية.
أما عن سر اختياره للشاعر سالم بن علي العويس، أوضح العميمي ان ذلك لا يعود لكونه من كبار الشعراء الإماراتيين وحسب، بل لأن ثمة قضايا لم يهتم بها الباحثون، ظلت في الظل، أحب الباحث ان يسلط عليها الضوء، فالشاعر العويس المعروف في الشارقة كشاعر فصيح، له أكثر من مئة قصيدة نبطية غير منشورة كتبها في مناطق متعددة كدبي وعجمان والحيرة وأم القيوين وغيرها..
وأيضاً الشاعر مثير للجدل من حيث دقة الروي حول وفاته وحياته.. فمثلاً هناك فرق سنتين في تاريخ ميلاده بين الهجري والميلادي!؟
والمراجع تشير إلى وفاته عام 1959، بينما أحد أبنائه دوّن تاريخ وفاته بالهجري على وصيته بما يوافق العام 1958 الميلادي.
والأهم ـ يضيف العميمي ـ ان هذا الكتاب يأتي ضمن مشروع تدوين الذاكرة الشفاهية التي تعتبر مصدراً مهماً من مصادر التأريخ للأحداث وحفظ أنواع الإبداعات الأدبية وربط الحاضر بالماضي من خلال النسغ الذي يمتد في الجذور.
وهذا العمل الشاهد والدقيق يحتاج إلى جهد جماعي ومؤسساتي، ولكن نحن في دولة الإمارات نعاني كباحثين في الأدب الشعبي من تناثر جهودنا البحثية وعدم جمعها أو تنظيمها في إطار مؤسساتي، وتبقى الأبحاث في هذا المجال أبحاثاً فردية تخضع لرغبة كل باحث في خوض غمار البحث في جانب معين وفق هواه ومزاجه الشخصي.
وهذا يستغرق وقتاً زمنياً طويلاً، إضافة إلى ازدواجية التناول أحياناً أو اشتغال أكثر من باحث على شاعر واحد، كما حدث مع الشاعر خلفان بن مصبح أو الماجدي بن ظاهر.
وبصوت عال يقول العجمي: للأسف الباحثون في الإمارات غير متعاونين، لا في البحث ولا في تبادل المواد البحثية أو المخطوطات وغيرها، وخلال مشواري البحثي لم أجد أي تعاون بين باحثين لإصدار كتاب واحد إلا بين حمد بو شهاب وإبراهيم بو ملحة اللذين أصدرا كتاب الماجدي بن ظاهر .
. ولذلك نحن بحاجة لمظلة تجمع الباحثين وتنسق بين تطلعاتهم ومجهودهم، ولكن عندما نتحدث عن مظلة مؤسسية فإنه من الأولى بنا ان نسأل أنفسنا: ما هي المؤسسات الثقافية في دولتنا والتي تضم في أقسامها أو إداراتها قسماً خاصاً بالبحث في الأدب الشعبي؟
حتى المؤسسات الثقافية التي تتفضل مشكورة بطباعة وتوزيع كتب وأبحاث الأدب الشعبي، تقتصر مهمتها في أغلب الأحيان على شراء حقوق طبع الكتاب من المؤلف بعد ان ينتهي من إنجازه، ولكن ان تقوم هذه المؤسسات بتفريغ عدد من الباحثين.
وتشكيل فرق بحثية ضمن برنامج واضح لإصدار سلسلة من الدراسات حول مادة ما في الأدب الشعبي أو حول شخصية أدبية مهمة مثلاً، فهذا ما تفتقده للأسف مؤسساتنا الثقافية، لماذا لا يتم تفريغ باحث موظف، كما يتم تفريغ موظف للدراسة؟
لماذا تكون حقوق المؤلف أو الباحث عن عمل استغرق سنوات عدة أقل من مكافأة الفوز للاعب واحد عن مباراة كرة القدم لم تستغرق أكثر من تسعين دقيقة؟
من هنا أدعو الى تشكيل رابطة أو جمعية للباحثين تعمل على التنسيق بينهم وبين الجهات المعنية والمؤسسات الثقافية والاتحادات والجمعيات الأخرى، وضمن قانون إشهار الجمعيات ذات النفع العام في الدولة، يمكننا ان نستفيد من المبالغ المخصصة .
ونقوم بطباعة الكتب والأبحاث، بعيداً عن الروتين والرتابة والمشاكل الإدارية والمالية، ويمكن من خلال تجربتي تحقيق ذلك فكتاب سالم الجمري نفذ بعد سنتين من طباعته، ولكن المؤسسة المسؤولة عنه لم تعاود طباعة نسخ منه، وحين طبعت كتاب الماجدي بن ظاهر على حسابي الخاص استطعت ان استرد تكاليف الطباعة بعد شهرين.
وتحدث الباحث سلطان العميمي عن تجربة التوزيع ونشر الكتب المختصة بالمجالات البحثية، وتطرق الى صعوبة هذا المجال وما يعاني منه الباحثون في عملهم وعلاقاتهم من المؤسسات الرسمية ومؤسسات المجتمع المادي، وأوضح الفوارق بين الباحث والجامع والمشاكل المتعلقة بالرواة.
وعن سبب اختياره لهذا المجال قال: لقد دخلت مجال البحث دون سابق نية، وبدأت مشواري البحثي بعد ان شرعت عام 1997 في جمع معلومات عن الشاعر سالم الحجري وكانت النية عندي تتجه الى كتابة مقال موسع عن حياة هذا الشاعر وقصائده .
ولكن وجدت البحث ممتعاً فتوسعت فيه، وتفتحت عندي آفاق كثيرة في مفهوم الأدب الشعبي ومجالاته، فتطورت الفكرة إلى إصدار كتاب عن الشاعر الجمري ومن ثم جاء كتاب الشاعر علي بن قمبر أحد اصدقاء الجمري، وهو من الشعراء المؤسسين الذين لم يسلط عليهم الضوء، رغم انه كان من أقدم المدونين في الإمارات.
. ومن ثم انتقلت للبحث عن الماجدي بن ظاهر.. وكتاب سالم العويس بين أيديكم ومشروعي المقبل سيكون ـ إن شاء الله ـ عن يعقوب بن يوسف الحاتمي الذي عاش في أم القيوين في عام 1900 ميلادية تقريباً.
محمود أبو حامد