محاولات الخروج بالعمل الفني التشكيلي، من صالات عرضه التقليدية، إلى أماكن أخرى غير مألوفة، ليست جديدة في تاريخ الفن المعاصر، فقد سبق لنا وشاهدنا أو سمعنا، عن معارض أقيمت في محطات القطارات، وفي الشوارع، والحدائق، والبيوت السكنية الخاصة، ومداخل الفنادق وأروقتها، والمؤسسات العامة، وقد فوجئت بمعرض لفن الكاريكاتير أقيم على جدران «دار للراحة» في مدينة «دريسدن» الألمانية الظاهرة من حيث المبدأ، موجودة ومطروحة قديماً وحديثاً.
لكن هل هي واقعية ومعقولة ومقبولة، لكي تعمم؟ أم هي مجرد «صرعات» سرعان ما تظهر وتغيب، كزبد البحر، ويبقى في النهاية، ما ينفع الناس؟!للإجابة عن هذا التساؤل، يتطلب البحث في جملة من الأمور التي تطال طبيعة العمل الفني المعروض وغاياته، وتالياً طبيعة المكان الحاضن لهذا العمل، ومن ثم السبب الذي دفع المشاهد «المتلقي» لقصد المكان والاحتكاك بالعمل الفني،
بمعنى لابد من البحث في جوانب تقانية تتعلق بمكان العرض، ونوعية العمل المعروض، والبحث في جوانب نفسية، تتعلق بالمشاهد «المتلقي» بالذات.فعرض الأثر الفني التشكيلي، نحتاً كان أم رسماً أم تصويراً أم حفراً مطبوعاً أم كاريكاتيراً أم صورة ضوئية أم ملصقاً في العراء، ضمن ظروف طبيعية مفتوحة، من غير السهل التحكم بإضاءتها، ونوعية المتلقين لها، يخل بشروط العرض الصحيحة، ويؤثر على قيم العمل الفني، هذا الذي وجد في الأساس، لغير هذه الأمكنة،
ثم هل عرض الأعمال الفنية التشكيلية الصالونية، في المنازل الخاصة، قادر على استدراج المتلقي العادي إليها؟ والمسافر العابر في المطارات ومحطات القطارات، وأماكن قضاء الحاجات، يمتلك الاستعداد النفسي، والحالة الفيزيولوجية السليمة، للتعاطي مع هكذا عرض واستيعابه والاستمتاع به؟
هذه التساؤلات وغيرها، تفرض وجودها هنا، وعلينا الإجابة عنها بتجرد وموضوعية، قبل أن نقدم على إقامة مثل هذه المعارض، في هكذا أمكنة انيطت بها مهام إنسانية أخرى، على الرغم من أنها تشهد كثافة بشرية مغرية لتوريطها في عملية التعاطي مع الأثر الفني البصري.
الظاهرة التي لفتت انتباهي، تقديم إحدى صالات السينما في مدينة «دريسدن» الألمانية، معارض متكررة، لأعمال فنية، تشكيلية وضوئية، في مكان انتظار واستراحة رواد الصالة، مزودة بدليل عن الأعمال، وقد يتواجد الفنان صاحب المعرض فيها أحياناً، لمناقشة المتلقي والإجابة عن تساؤلاته.
هكذا صالات، تمتلك جميع الشروط والمقومات الصحيحة للعرض الناجح، يضاف إلى ذلك أن المتلقي الذي جاء لحضور عرض سينمائي، يمتلك الاستعداد لحضور العرض الآخر، فقد جهز نفسه، وتفرغ للعرض الأول، فلم لا يحضر العرض الثاني، وكلاهما ينحدران من صلب فن بصري واحد، ووجودهما تحت سقف واحد، حالة طبيعية وضرورية.
محمود شاهين