يعرض الفنان التشكيلي الأرجنتيني انطونيو سيغي عددا من اللوحات الحديثة في غاليري جانين ربيز في بيروت. انطونيو سيغي الذي ولد في مدينة كوردوبا في الأرجنتين، ودرس الرسم والنحت في فرنسا واسبانيا، وعاش في مدن كثيرة، بين أوروبا وأميركا، وعرض لوحاته في كل أنحاء العالم، وفي أهم المعارض العالمية.سيغي الفنان الأرجنتيني والعالمي في آن. يعتبر من أهم الفنانين التشكيليين في عصرنا هذا، وهو يعرض حاليا في عدة معارض عالمية، منها مركز بومبيدو للفن الحديث، في باريس.
عشر سنوات مرت، على معرض سيغي الأول في بيروت، في المكان نفسه، سنة 1995 ليعود بعدها الرسام ذو الشهرة العالمية الى العاصمة اللبنانية، بعدد من أعماله الحديثة، التي تفاجئ المتفرج ببساطتها، و«عجقتها»، وسذاجتها، وقوتها.اللوحات المعروضة في غاليري جانين ربيز في منطقة الروشة في بيروت وحتى 21 أكتوبر المقبل، تبدو للزوار كأنها، لبساطتها، خرجت من مخيلة طفل، أو كأنها، بألوانها الكثيرة، لا تشبه الواقع، ولا تتكلم عنه.
أعمال انطونيو سيغي ليست واقعية في الشكل، مهما روت قصة الناس والمدن بمضمونها. يرسم رجلا واحدا، هو نفسه، يتكرر مرات عدة في كل لوحة، كأنه شخصية واحدة، يتكلم من خلالها، بلغة الرسم، عن كل الناس. ولوحات سيغي تبدو أيضا كأنها لوحة واحدة تتكرر، مرارا، في مخيلته أولا، ثم على جدران المعارض العالمية التي يقيمها. هو يرسم تفاصيل، فتبدو، كل لوحة من لوحاته، كأنها قصص صغيرة في كتاب كبير.
لوحاته لا تنتهي عند حدود ما يرسم عليه، فتبدو كأنها مقصوصة من لوحة اكبر، من لوحة لا تنتهي عند حدود. يبدو مثلا، في أعلى اللوحة، نصف الرجل، كأن اللوحة هي مجرد حدود عشوائية لما ليس له حدود.شخصيات لوحاته، التي تتكرر فيها دون تعب، تتحدث عن العالم والناس. رجل، هو الشخصية الأساسية فيها، ثم امرأة، ثم كلب، ثم كرسي، ثم مكعب، ثم بيوت.
رجل هو نفسه، لا يتغير، ولكن تتغير وقفته. أو ملامح وجهه، أو ربطة العنق التي تبدو تارة كأنها تطير مع الهواء، وطورا كأنها جامدة، يابسة، أوقفها الزمن، والرسم، في شكل لن يتغير.يرسم أشياء غريبة، وشخصيات غريبة، ولكن يعرف كيف يجعلها تشبه حقيقة الأشياء والأشخاص. فن سيغي سوريالي، ولكن لا يستطيع من يتفرج عليه أن يفصله عن واقع حياته اليومية.
يضع أرقاما تحت شخصياته التي تتكرر هي نفسها. كأنه يعطي للناس كلهم وجها واحدا، أو كأنه يعطي للشخص الواحد أرقاما كثيرة. أو يقسم لوحته إلى قسمين، احدهما اسود لا ألوان فيه، والثاني يفقع بالألوان. كأنهما الليل والنهار في لوحة واحدة، لا يفصل بينهما إلا خط مستقيم، فلا يمتزجا ببعضهما.
التناقض يتكرر، هو أيضا، في لوحات سيغي. شخصية الرجل تبدو أحيانا اكبر من البيوت والمباني، ويبدو، في أحيان أخرى، الكرسي اكبر من الرجل بأضعاف. يرسم من المرأة وجهها دون باقي جسدها، أو يرسم الجسد، دون الوجه. تضيع الأشياء في عدم تناسقها، وفي فراغ الأمكنة التي يجسدها بياض اللوحة التي يوزع فيها رسوماته الصغيرة، كأنها كلمات متباعدة على سطور تبقى فارغة.
التناقض والازدواجية أكثر ما يلفت في لوحات انطونيو سيغي. الاختلاف بين الرجل والمرأة يبدو تناقضا، وكذلك الذي بين الليل والنهار، والألوان المشعة والعتمة، الرسم وعدم الرسم.«عجقة» من الشخصيات والأشياء، التي لا حياة فيها. تكرار للرسومات نفسها إلى ما لا نهاية، وإلى ما لا حدود. هكذا توصف لوحات سيغي التي تنتمي إلى الفن الحديث، الذي لا قوانين تحكمه، ولا واقعية فيه من حيث الشكل، ولكن يتحدث عن واقع الأشياء، والمدن والناس، بمضمونه، وبالمشاعر التي يوقظها عند من يتفرج عليها.
بيروت ـ فراس زبيب