للثقافة «مرحلة فمّيه» تبدأ من البيت حين نحيط الطفل بنتاج صوتي مهذب ومتلون حيث تتحول كل الحروف إلى نفخ وإلى تصفير وغناء، وربما لصوت الأم وهي تهدهد بعض الحنان على شكل أناشيد أو ترتيل غنائي، وأظن بان لصوت أمي علاقة كبيرة بكل تلك الحواس التي ترافقني مع اللغة حيث هناك جرس يدفع يقيني لتلمس وفهم اللغة السمعية بشكل جيد.
وعلينا أن نمتهن تلك العلاقة الأولى مع الطفل منذ أول صرخة وجودية بعد أن يتجزأ من حالة التوحد التي عاشها مع الأم في جسد واحد، وللمرحلة الفمّيه للثقافة حضور اللغة الأم، التي تتمثل بدور الأم وهو حضور أنثوي، رغم الاختلاف الجنسي «الجسد» إلى أن يصبح هناك ذات نستطيع أن نؤشر عليه ويكون هنا لديه اسم.
ونجد في المرحلة نفسها شعورا غائبا، حيث تذهب الأدوار إلى توزيع الغذاء والنظافة والتدليل المباشر، ونبقى ننتظر النمو الجسدي فقط، وحين نبصر بعض الإشارات مثلا سماع الطفل وهو يردد العدد «واحد» في سن مبكرة، نجد العائلة وقتها تبتهل، وتتجاوز الحرف إلى آخر، وهذا التلقين نستطيع التنبه به بشكل أكثر أهمية كونه انتقل من كائن لا حراك فيه وسلبي إلى كائن مستقل يكتشف.. يشعر.. يسمع، ويصبح مع كل فعل لديه ردة فعل.
تنمو الثقافة كما ينمو الجسد، سواء بالتغذية أو عبر التلقي اليومي، وبما أن الطفل محكوم بنظام وسلوك المحيطين فإنه في الوقت نفسه ذات مستقلة ضمن الـ «لا والنعم» ففي المرحلة ما بعد الثقافة الفمّيه التي نتأمل معها أن نلقن الطفل لغة سمعية متزنة وبذائقة مرتفعة كي تمنح الحالة الدنيوية للطفل وجوداً مركزاً يكتشف مفهومها بنفسه عبر إيجاد كل مفردة وصياغتها.
ربما غدا تخلق في رحابة التطورات والدراسة عقلية مليئة بالخصائص ومثقفة تشكل لنفسها مرجعية من اللاوعي وحيث يتم الاكتشاف والنمو والتعلم، وحتى لا تبقى الثقافة حكرا على التعاطي والتلقين فقط، ومفهوما غليظا حيث تتشبث بحالة واحدة في كل مرة وهي القراءة والكتابة، وحتى لا تصبح الثقافة كلمة فقيرة، لا مذهب مطرزاً لها في الحالة الاجتماعية، حيث العالم يتجه نحو «الفرد الاقتصادي» بما لها من خصوصية اجتماعية تبلغ وساطتها لتصبح في المقام العالي.
تظل تساؤلاتنا كثيرة، بينما تتوزع المفاهيم، وإذا كانت حكايات الجدات مليئة بالثقافة السمعية قديما، لكنها بقت دون تدوين، واختفت تدريجيا مع الجيل الجديد، وأصبحت قصص الأطفال المستوردة سبيلا ذات وجه ناجز حظه، في الوقت الذي نبحث فيه عن ثقافة الطفل والكتب والقصص، ولا نجد سوى الضالع في الجمود أو الكتابة النوعية ذات توجهات دينية أو سلطوية، بينما المدرسة اكتفت بالمنهج المدرسي، واكتفينا نحن في البيت بدور التلفاز، وبقى الطفل في النتاج اليومي بلا فائدة.
في صور الطفولة القديمة كنّا نركض للكاميرا بعفوية ونحن بملابس متسخة، اليوم لا يمكن أن تجد صورة لطفل إلا وهي مرتبة جدا بشعر مغسول وحذاء جديد وثوب ناصع البياض وضحكة «ممثل» وهنا الفرق لا شيء يصلح حتى للذكرى، كل شيء نظيف جدا من الخارج من أجل النظرة الاجتماعية.
www.alwjh.com