قبل أن نحاوره، كان علينا أن نرنو إلى هناك، إلى زمن.. هو الماضي، وان نسافر إلى هناك، إلى مكان.. هو الاسكندرية... مدينة موغلة في القدم، قبل تاريخ الميلاد، توسطت العالم، وقبعت مكانها حيث تكون.. على البحر، مدينة كوزموبوليتانية، عاشها وعرفها، ورآها متعددة الاجناس والاعراق والثقافات واللغات، انجبته وشكلت وعيه في الطفولة والنشأة والتكوين، وصاغت أهم ملامحه الأدبية.

أصدر «إبراهيم عبد المجيد» العديد من الروايات ومجموعات القصص «لا احد ينام في الإسكندرية»، «المسافات»، «طيور العنبر»..، «ليلة العشق والدم» وغيرها من الابداعات التي ترجمت للفرنسية، والانجليزية والاسبانية، عدد من اللغات. كابد مع جيله سنوات التغير السبعيني، الحقبة التي ينتمي إليها،

وكان واحدا من ألمع كتاب هذا الجيل مع آخرين.. محمد المنسي قنديل، محمد المخزنجي، جاد النبي الحلو، محمود الورداني.. إلى آخر القائمة الموهوبة، واكب معهم تلك الانعطافات الحادة، والمتغيرات الكبرى، والخسائر الفادحة. ذلك الجيل الذي مني بهزيمة الاحلام وخيبة الأمل وعاصر تلك الاسئلة الصعبة.. التي كانت اجاباتها ما نعيشة الآن من هزائم.

بمقر اتحاد الكتاب بالقاهرة، وفي لقائي مع الروائي «إبراهيم عبد المجيد» كان هذا الحوار الخاص بـ «البيان»:

ـ الإسكندرية.. هي الوطن الطفل والنزق البكر والمعاش الاول هي آلام التفتح والنمو.. كيف شكلت هذه المدينة وعي الكاتب فيك؟ وكيف اثريت انت نصك الأدبي مستلهما تجربة الحياة فيها؟

ـ (الإسكندرية ـ ما وراء الكتابة) كتاب يصدر لي قريبا، وهو مشاهدات مختلفة، وجدت انه آن الأوان لاكتب لماذا كتبت عن الاسكندرية بهذه الكثافة. لقد كتبت تسع روايات عن الفضاء السكندري، الشمالي والجنوبي، إضافة لعشرات القصص القصيرة، لم اكتب إلا ثلاث روايات بعيدة عن الاسكندرية (البلدة الاخرى، وقناديل البحر، وعتبات البهجة) وقد كان «البطل» في الروايات الثلاث سكندرياً أيضا.

فأنا من مواليد المدينة،، كما أن هناك سبباً آخر هو ان هذه المدينة تنفرد بتأثير في الوجدان، فأنت بالاسكندرية تقف على تاريخ، فعندما تطل منها على المتوسط، تتقافز حولك حضارات قامت واندثرت وحكايات مفارقة للعادة، حكاية بناء الاسكندرية نفسها وموت الاسكندر قبل اتمام بنائها، كليوباترا وانطونيوس،

سانت كاترين، تاييس، هيباتيا، كنيسة الاسكندرية وعصر الشهداء، وبرغم أنها أقدم من القاهرة على سبيل المثال فهي تبدو جديدة دائما، ليس بها أفق مغلق، كل شارع بها مفتوح على البحر او على الماضي، إنها تعطيك احساسا بالحرية، وتدعوك للحركة. لهذين السببين الميلاد والمدينة.. قد توحدنا، أصبح كل منا الآخر.

ـ كان جيل الرد على الهزيمة، جيل السبعينات (كتاب وأدباء ونشطاء)، الذي تنتمي إليه.. والذي شيد تجربة مهمة، جديدة وفريدة في الفعل والابداع المصري قد تعرض- وباستمرار- لمحاولات الوأد والخنق او التجاهل والتعتيم.. إلى اي مدى ترى انك نجحت في كسر طوق الحصار؟

ـ أرى انه لا يوجد تعتيم على أحد. ولكن الذي حدث هو نوع من الحراك السياسي في المجتمع تسبب في استبعاد جيل السبعينات. جيل السبعينات هو جيل حرب اكتوبر، وهو الذي دعا إليها. ولكن السؤال الاكبر هو إلى أين آلت هذه الحرب نفسها؟ لقد قفز عليها سماسرة السياسة وتم صنع سلام جنت «إسرائيل» كل مكاسبه.

الاخطر هو الانقلاب الاجتماعي والاقتصادي الذي تم بقوة الدولة.. لقد ارتكبت الدولة اكبر جريمة، ليس لأنها تحولت إلى دولة رأسمالية في الوقت الذي حافظت فيه على القوانين الشمولية «الطوارئ والحزب الواحد.. والنتيجة مجتمع «متناقض» فلا هو اشتراكي ولا هو مفتوح كمجتمع رأسمالي حقيقي، وظل على كراسي الحكم اشخاص ينتمون إلى أجيال سابقة.. إلى الستينات والخمسينات، هذا الاضطراب في هوية المجتمع هو الذي تسبب في هذا التعتيم، لذلك اصبح العمل فرديا،

كل كاتب اصبح يعتمد على انجازه الشخصي وحركته، اصبح كل كاتب جزيرة منعزلة عن الاخرى بعكس كتاب الستينات مثلا فقد ظلوا مرتبطين. هذا جانب ذاتي بالاضافة للجوانب الموضوعية كما أسلفنا. وأنا أدركت ذلك مبكرا واكتفيت بالكتابة، طبعا مع المساهمات المحدودة في الحياة العامة، واعتبرت الكتابة حلا فردياً، لكنه ليس سلبيا، لقد اضطر كثير من جيلنا للنزوح والسفر، والذين بقوا لم تكن حياتهم سهلة على الاطلاق.

ـ أسأل عن جيل سبقكم، ماذا قدم لكم؟ وعن جيل تلاكم، ماذا صنعتم من أجله؟

ـ أعتقد إننا جئنا في إطار التجديد الذي صنعه جيل الستينات، الفارق بيننا سنوات قليلة.. ولكنها حاسمة، لأن الأمور كانت قد انقلبت من الأدب للسياسة، عندما انتقلت إلى القاهرة أتيت في ظل اعجابي الشديد بالكتابة الجديدة، وكذلك آخرين، انشغلت بالسياسة في الوقت الذي كان فيه كتاب الستينات قد استقروا، وعندما استردت الحياة الادبية نفسها..

كتبت الرواية، كنت مهيئا نفسيا للتصالح مع مزاج الرواية. لقد قلت مرة إن الرواية سبعينية فتصور بعض كتاب الستينات ـ بشكل شخصي ـ انني أتجاوزهم، فحتى عندما كتب كتاب الستينات الرواية كانت الكتابة عن أعوام السبعينات. هناك دائما نوع من التوجس (المشروع) بين الاجيال، لكن في النهاية يصبح الكاتب نفسه، يتأثر بفلان أو فلان، كلنا فعلنا ذلك، لكن في النهاية يظلال الكاتب نفسه. وأنا لا ستطيع التحدث- عن الاجيال التالية بالنيابة عنهم، هناك تنوع كبير بينهم،

ويظل للكتابة الجديدة مزاج خاص واكتشافات خاصة، وهي محل تقدير واحترام مني شخصيا. اما مسألة أن يقدم كل جيل للآخر، فهي ليست ضرورية وليست مقصودة وأنا على قناعة بأن الزمن لا يملكه احد، وان تنوع الاشكال الادبية لايحدث نفيا نهائيا للآخر، وانا مؤمن بما قاله «علي الراعي» مرة إنه عندما تقرأ عملاً جميلاً عليك أن تزجي إلى الكاتب شيئا من الامتنان لانه أسعدك، وانا لست بناقد،

لذلك يتحول هذا الامتنان إلى بعض الاشارات في المقالات او الندوات او الحديث الشخصي، وفي حياتي العامة وعندما كنت رئيس تحرير سلسلة «كتابات جديدة التي تصدرها هيئة الكتاب» قدمت حوالي مئة كتاب لعرب ومصريين في الرواية والشعر، وعنيت عناية خاصة بقصيدة النثر على عكس التيار السائد. والآن وكلما أتيحت الفرصة أحب ان أقرأ هذه الاعمال الجديدة، وأزكيها ما امكنني.

ـ هناك كتابة جديدة.. جاءت بعدكم، تحتفي بالجنس وأهل القاع والهامش، تقتحم التابو والمحرمات عبر سرد اقرب إلى العامية المتداولة.. وقد أخذت هذه الكتابة تؤكد حضورها على الساحة الابداعية.. كيف تنظر إليها؟ وماذا ترى ـ كمبدع ومثقف ـ في افقنا الثقافي القريب؟

ـ في مصر هناك ولع «بيروقراطي» بجمع الناس في سلة واحدة، انت لاتستطيع ان تجمع الناس العاديين، فهل تستطيع ان تجمع الكتاب الذين كل واحد منهم جزيرة قائمة بذاتها في سلة واحدة! سعيد نوح وخالد اسماعيل وحمدي ابو جليل وخيري عبد الجواد.. وغيرهم، لانستطيع ان نختصر هؤلاء في فكرة الجسد، يصبح النقد ظالما، وليس لزاما عليهم ان يدافعوا عن قضية، فصناعة الأدب الجميل هي بحد ذاتها قضية نبيلة وجميلة. أما مسألة «التابو» فهم لم ينفردوا بهذا الاقتحام،

صحيح أن الأمر موجود بكثرة عندهم، ولكن ذلك موجود في الأدب المصري عموماً، يحيى حقي ويوسف إدريس حتى نجيب محفوظ من اول اعماله حتى الاعمال المتأخرة، وفي جيلنا أنا و«المنسي قنديل». كما ان موضوع الهامشيين مطروح بشدة عبر كل الاجيال..لدى يوسف إدريس، جميل عطية ابراهيم في (النزول إلى البحر)، بل إن كل أعمال خيري شلبي هي عن المهمشين.. فهو الاستاذ الأعظم في الكتابة عن المهمشين، أنا كتبت عنهم باستمرار، (طيور العنبر) على سبيل المثال.

ـ كيف تنظر إلى إمكانية الأدب في تغيير المجتمع نحو الأفضل وكيف ترى دور الأديب تجاه شعبه وناسه في ضوء ما قدمت أنت وجيلك من الكتاب؟

ـ في بداية حياتي، كنت أرى وقد نشأت في جو قريب من اليسار، أن الأدب يستطيع ان يغير المجتمع. مع النضج رأيت ان المجتمع يحتاج لآليات أخرى.. فالثورات لاتصنعها الروايات، والكلام عن أن رواية «الأم» مثلا صنعت الثورة البلشفية أو أن رواية «كوخ العم توم» كانت وراء حركة تحرير العبيد في اميركا عندما قرأها «إبراهام لنكولن»، مجرد كلام رومانسي ففي الحقيقة ان الشمال كان يريد الاستيلاء على ثروات الجنوب،

كما ان الكلام عن ان عبد الناصر قرأ عودة الروح لتوفيق الحكيم فبدأ يعد للثورة.. الخ. هذا، كلام رومانسي، إن الأدب يستطيع ان يساهم في خلق انسان سوي، يستطيع أن يساعد الناس على تحمل الحياة والاستمرار فيها، هو نشاط روحي، هناك حاجة للانسان ان يقرأ، فالقراءة حاجة إنسانية عميقة.. وليس مهما ان يكون عائدها.. الثورة.

القاهرة ـ رؤوف سالم