التاريخ مسرحية هزلية، نعيشها ونشاهدها.. هذا ما جال بخاطري، وأنا اقرأ «في مواجهة مرآة قاسية». والمرآة دوما.. قاسية. لأنها تظهر لنا صورتنا وعيوبنا.. بلا زيف أو رتوش. كما أنها لا تعرف المجاملة أوالرياء والنفاق. إنها تعكس كل التجاعيد والندوب والعيوب بمجرد النظر فيها، لإلقاء نظرة فاحصة على أنفسنا.
وعلى الإنسان أن يرى نفسه في المرآة ـ من الداخل والخارج ـ بعيدا عن الغرور والغطرسة. لنرى أنفسنا على حقيقتها المجردة. في لحظة صدق !!. ويتحدث مؤلف المرآة القاسية ـ مايكل بارزوها ـ عن الصهيوني الداهية بن جوريون، عندما حاول أن يقنعه بكتابة مذكراته.. لكن بن جوريون رفض قائلا إنه رجل يصنع التاريخ، وعلى غيره أن يكتبه.
هذا هو التاريخ.. وهذا هو صانع التاريخ.. أليست هذه مهزلة؟ أن هذا الصهيوني العتيق يصنع تاريخ المنطقة العربية أي تاريخ هذا المبني على الأكاذيب والتحريف والسرقة والخداع والدماء والدمار؟! إن كل الذين يصنعون التاريخ الزائف، لا يهتمون بأدوارهم التي مثلوها على مسرح الحياة، لأنها سوف تذهب جفاء.. كما أنهم لا يعبأون بكتابة هذه الأدوار أو الالتفات إلى الوراء،
لأن هناك غيرهم من الأوغاد، يبحثون وينقبون عن هذه المسرحية الهزلية، ثم يطلقون أحكامهم أو يدلون بآرائهم حول هذه الدراما، وتلك الأحداث والمواقف.. ومن خلال ذلك يتضح لنا أن التاريخ ماهو إلا أكذوبة كبيرة ـ بحجم تاريخ بني صهيون أو زيون ـ تأتي من قمة الجبل ثم تنحدر حتى السفح.. وهناك من يصدق هذا التاريخ المزعوم الذي صنعه بن جوريون وهناك من يكذبه أو يرفضه نهائيا أو يقبل بعضا منه، ويرفض البعض الآخر.. لأنه لا يتفق مع حقائق الواقع أو منطق العقل البشري.
يذكر المؤلف اليهودي، أن بن غوريون في شبابه، كان يحلم بدولة يهودية تمتد على جانبي نهر الأردن، ولكنه عاد في أواسط الأربعينات فقبل بمشروع التقسيم، وعندما احتج عليه أنصاره بما فيهم ابنه (أموس) وكان عمره 18 سنة حينذاك. واعتبروا هذا نكوصا عن الهدف الذي يكافحون من أجله. وكانت وجهة نظر ـ العجوز الداهية ـ أن هذه الدولة الإسرائيلية الصغيرة جدا.. ليست هي النهاية.. وإنما هي البداية.
ومن الوجوه الطريفة ـ في المرآة ـ والمثيرة للدهشة والاستغراب معا، تلك الوجوه العربية التي اجتمعت سرا، وقادة الكيان الصهيوني، وقد شارك في هذه اللقاءات أو الاجتماعات السرية د. جاكوب هيرتزوج، مدير مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي حينذاك. وكان من وزراء الكيان الصهيوني: أبا أيبان وإيجال الون وموشى دايان ورئيس الأركان باريف، وبعد ذلك جولدا مائير واسحق رابين واسحق شامير وغيرهم من صناع التاريخ في المنطقة العربية.
وكان المكان المختار للقاء عيادة طبيب في لندن. ومع أن الطرفين التزما بمنتهى السرية إلا أن السر لم يخف على المخابرات البريطانية، ويذكر المؤلف أن رئيس الوزراء البريطاني «هارولد ويلسون» ألمح بذلك إلى وزير إسرائيلي بقوله: «بلغني أنكم.. لديكم نفس الطبيب المداوي.. أليس هذا غريبا».
أليس هذا الطبيب المداوي الذي يعالج الأعداء الألداء مثيرا للدهشة والغرابة ؟!. وكشف العاهل الأردني الراحل عن أن طبيبا يهوديا يدعى «إيما نويل هيربرت» هو الطبيب المداوي، وهو في نفس الوقت الذي كتب روشتة العلاج، رتب اللقاء الأول ـ جلسات العلاج ـ مع يعقوب هيرتزوك الوزير في حكومة اشكول عام 1963.
أليس التاريخ السري غير المدون ـ الذي يصنعه قادة الصهاينة ـ في صفحات الكتب المدرسية.. غريبا ؟!. إنه حقا.. أشبه بمسرحية هزلية بالغة الروعة والدقة والحبكة الدرامية، لدرجة أنها تجعلنا، عندما ننظر لأنفسنا ـ في المرآة القاسية ـ تجعلنا، نضحك، ونضحك.. ثم نبكي، ونبكي.. فنحن ـ كنا ومازلنا ـ نعيش في زمن الضحك والبكاء.. معا!.
عبدالستار خليف