اكتملت جميع الاستعدادات لافتتاح معرض «لغات الصحراء- الفن العربي المعاصر في دول مجلس التعاون الخليجي» الذي يستضيفه متحف بون للفن التشكيلي المعاصر في ألمانيا بعد غد الأربعاء 14 سبتمبر برعاية البروفيسور هورست كول رئيس جمهورية ألمانيا الاتحادية.
وتأتي مشاركة الفنانين الإماراتيين، وهى الأكبر من بين فناني منطقة الخليج، بدعم ورعاية كبيرة من مجلس دبي الثقافي ووزارة الثقافة والإعلام ودائرة السياحة والتسويق التجاري في دبي ودائرة الثقافة والإعلام في الشارقة ومشاريع قرقاش، حيث غادر إلى ألمانيا أول من أمس محمد المر رئيس مجلس دبي الثقافي والدكتور صلاح القاسم الأمين العام للمجلس للمشاركة في حفل الافتتاح الذي سيحتضنه متحف بون،
وتأتي مشاركة الفنانين الإماراتيين وهي الأكبر من بين فناني المنطقة لتعكس تطور الفنون التشكيلية واساليبها ومدارسها وتعبر عن التواصل الحضاري لأبناء الإمارات مع القضايا الإنسانية العامة من خلال مجموعة كبيرة من الأعمال الفنية الإبداعية التي ستأخذ مكانها في المعرض أمام مئات الزوار الأجانب.
حيث يشارك من الإمارات كل من الفنانين: د. نجاة مكي، عبد الرحيم سالم، محمد يوسف، حسن شريف، كريمة الشوملي، محمد كاظم، عبد الله السعدي، محمد أحمد إبراهيم، ابتسام عبد العزيز وخليل عبد الواحد منسق الفنون التشكيلية في مجلس دبي الثقافي.
* مشروع كبير
يسعى معرض «لغات الصحراء.. الفن العربي المعاصر لفناني الخليج» في متحف بون للفنون التشكيلية والذي يستمر لمدة شهرين كاملين إلى إثبات وجود فن عربي معاصر عالي المستوى، بالإضافة إلى إتاحة الفرصة للفنانين العرب للظهور على الساحة الفنية العالمية.
كما يعد المعرض فرصة لتكثيف الحوار الثقافي ما بين الفنانين في المناطق المختلفة في العالم، ومساهمة في الحوار ما بين الحضارات عن طريق الفعاليات الثقافية كالندوات العامة والحفلات الموسيقية التي ستقام على هامش المعرض من أجل تعريف أكبر بالفن والثقافة العربية.
ويشكّل المعرض، الذي يعد الأول من نوعه في أوروبا، جزءاً من مشروع كبير يهدف إلى التعريف بحال الفن العربي المعاصر بشكل عام، حيث سينظم المتحف معرضاً آخر في خريف 2006 لعرض أعمال الفنانين العرب من دول حوض البحر الأبيض المتوسط مثل مصر، وسوريا، ولبنان والمغرب.
وترجع فكرة المعرض الذي يشرف عليه كل من كارين أدريان فون روك، والدكتور ديتر رونته مدير متحف بون للفن التشكيلي، إلى الفكرة غير السليمة التي سادت مؤخراً عن الفن العربي المعاصر في أوروبا، حيث توصل الاثنان بعد بحوث طويلة ودراسات عملية إلى أن التفاوت الكبير في المعارض الفنية التي أقيمت لفنانين عرب في البلدان الأوروبية في السنوات الأخيرة بصورة متفرقة ، ترك انطباعاً عاماً لدى المشاهد هناك بعدم وجود كفاءة فنية عالية لدى الفنانين العرب،
وهو ما تم التوصل إليه من إستفتاء عام للرأي أجرى مع أصحاب صالات العرض العالمية والرائدة والمشرفين الفنيين على هذه المعارض. كما يشكل هذا المعرض أيضاً امتداداً تنظيمياً أكثر للجهود الكبيرة التي يبذلها متحف بون للفن التشكيلي في التعريف بأنواع الفنون والفنانين من بلدان خارج القارة الأوروبية التي يقيمها من آن لآخر تحت عنوان «حالات هامشية».
وتدور فكرة المعرض الذي خصص جزؤه الأول لفناني منطقة الخليج العربي، كما تقول كارين: «معرفة كيف يتعامل الفنانون التشكيليون في هذه المنطقة مع التطورات المفاجئة والسريعة التي مرت بمنطقة الخليج، وحولتها من صحراء قاحلة إلى منطقة تتميز بوضع متفرد في العالم، مع وجود تناقضات كبيرة من الجهة الأخرى على شكل الحياة الذى تغير بصورة مفاجئة، مما يشكل عالماً من التحدي للفنان وقدرته على استيعاب كل هذه المتناقضات، والمتغيرات التي غيرت نمط وشكل الحياة».
وتضيف كارين التي أمضت عامين في التنقل ما بين البلدان الخليجية لانتقاء أعمال الفنانين المشاركين: «كل أساليب التعبير الإبداعي من الرسم إلى عرض الفيديو التركيبي لها حضورها المميز في المعرض، حيث تكمن خصوصية كل فنان وبلد في معالجة هذه التحديات بكل أنواعها، الاجتماعية والاقتصادية وغيرها، معتمداً على الإرث الثقافي الخاص بوطنه، وهنا يبرز التداخل بين الصحراء والمدينة».
والى جانب فناني دولة الإمارات، يشارك من الدول الأخرى كل من: يوسف أحمد، وعلي حسن، وخليفة عبيدلي، وفاطمة الشيباني من قطر، وأنس الشيخ ووجدان المناعي من البحرين، وحسن مير وأنور سونيا من سلطنة عمان، وطارق الغصين من الكويت، وفيصل السمرة وشادية عامل من السعودية.
* تواصل الأمم
في كلمتها الرسمية عن المعرض والمشاركة الإماراتية فيه، قالت وزارة الثقافة والإعلام: «إن العلاقة بين الأمم علاقة تواصل وتلاقح لا علاقة خصام وتقاطع، والثقافة هي العنصر الأساسي في التواصل الحضاري بين الأمم. ويعد الإبداع ركيزة الثقافة، فمن خلاله تتواصل البشرية وتتلاقح الأذهان لتكون منجزاً إبداعياً إنسانياً يسهم في تشكيل الوعي والفكر.
وإذا كانت بعض أطياف الإبداع تحول مفردات التعبير فيها دون الوصول المباشر والواضح بين المبدع والمتلقي، فإن التشكيل لغة لا تحتاج إلى وسيط أو شارح، فما تختزنه اللوحة يصل مباشرة إلى المتلقي مهما اختلفت اللغة بينه وبين المبدع. فاللغة البصرية هي المعبرة لما تحتويه من شفافية.
وإذا كانت حضارات العالم قد قدمت أعمالاً فنية راقية أصبحت علامات بارزة في منجزها الثقافي، فإن الأمة العربية كانت حاضرة على مر العصور في هذا الجانب. ودولة الإمارات العربية المتحدة التي هي عضو في المنظومة الإنسانية تحاول من بوابة متحف بون للفنون أن تقدم للمتابع للفنون التجربة الفنية لأبناء الإمارات، الذين يشاركون في هذا الملتقى الفني العالمي ممثلين للحركة الفنية التشكيلية».
* قراءة الجغرافيا
محمد المر رئيس مجلس دبي الثقافي قال في كلمته التي نشرها في الكتيب الرسمي للمعرض: لم تشهد منطقة في العالم تغيراً دراماتيكياً في الثروة، وتطوراً سريعاً مثل الذي حدث في دول مجلس التعاون الخليجي خلال العقود القليلة الماضية. في بداية الخمسينات، كانت أغلب المدن في دول منطقة الخليج عبارة عن تجمعات صغيرة من السكان،
تعتمد في اقتصادها على صيد الأسماك، منغلقين فقط وبعض التجارة المحددة مع الدول المجاورة من شرق القارة الآسيوية، شرق افريقيا، إضافة إلى بعض الأنشطة الأخرى.وبالطبع فلم تكن هذه الأنشطة الإقتصادية البسيطة توفي بحاجة السكان وأعدادهم الكبيرة مما جعل الخدمات الحديثة مثل: العناية الصحية، والخدمات الاجتماعية، إلى جانب الأنشطة الثقافية شيئاً محدوداً وغير متوفر.
ويرجع تأثر الثقافة في دول مجلس التعاون الخليجي والفن بصفة خاصة، إلى التراث الإسلامي والعربي، إلى جانب حركة القومية العربية الحديثة، وحركة إحياء الإسلام التي انتظمت العالم العربي بحلول القرن العشرين، والتي كانت في أوجها في ذلك الوقت في عدد من الدول مثل: مصر، ولبنان وسوريا والعراق.
وحملت حقبة الستينات والسبعينات ملامح التغير الدراماتيكي لدول المنطقة من تطور سياسي واقتصادي. كما نال في هذه الفترة أغلب الدول استقلالها من الاستعمار البريطاني الذي قضى في المنطقة ما يقارب القرنين، وظهرت المدن الحديثة بالدعم والسند الكبيرين للثروة الكبيرة.
وشهدت الدول الخليجية في العقدين الأخيرين ثورة معمارية ضخمة مثلت البنية التحتية الأساسية؛ حيث بنيت المدارس والجامعات والمستشفيات والموانئ والمطارات والطرق الحديثة وغيرها.وأضاف المر: ترك التغير المفاجئ والسريع لنمط الحياة وشكلها في المنطقة آثاره الواضحة وعلاماته على المشهد الثقافي والأدبي. ولم يعد المبدعون من الشباب الجدد من أبناء دول المنطقة في الآداب والفنون منغلقين فقط في القديم من الثقافة والتراث الأدبي،
بل أصبحوا من المطلعين على الحركة الجديدة من الأدب والثقافة الواردة من العواصم العربية والعالمية مثل القاهرة وبيروت ولندن وباريس وبرلين ونيويورك وطوكيو.وارتبط هذا الانفتاح بما كان يدور في العالم من تغيرات كبرى والتي أخذت في الرسوخ مع نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين مثل، نهاية الحرب الباردة، والعولمة وثورة المعلومات التكنولوجية.
* السياحة الثقافية
من جانبه قال خالد بن سليم مدير عام دائرة السياحة والتسويق التجاري، أحد الرعاة الرسميين للمشاركة الإماراتية في المعرض: إن السياحة تشكل في عالمنا اليوم المدخل الأرحب للثقافة فهي ليست دعوة للاستجمام والراحة والمتعة فحسب، وإنما هي فوق ذلك دعوة إلى المعرفة والتأمل في إبداعات الشعوب والبشر وطريق نحو تعميق أواصر الترابط بين بني الإنسان.
ولكون السياحة سفراً في الأرض، وسفراً في أسفار الفكر، فهي لقاء متجدد مع الآخر، وحوار متصل مع الشعوب وقد عبر عن هذا العمق في فهم السياحة حرص مجلس دبي الثقافي على تنظيم معرض الفن المعاصر من الخليج العربي في مدينة بون بجمهورية ألمانيا الاتحادية بما يضمه من أعمال إبداعية لعدد من الفنانين التشكيليين الإماراتيين ليكون بمثابة إطلالة للثقافة الإماراتية في السوق الألماني الذي يعد من بين الأسواق السياحية المهمة لدبي في أوروبا».
* مصدر ترويج
من المعروف أن الكاميرا البشرية منذ ولادة الإنسان سبقت اللسان في التعامل مع معطيات الحياة، لذلك برزت أهميتها كلغة عالمية للتفاهم والحصول على رسالة مختزلة وصامتة يتفق عليها البشر في شتى الأجناس وهي أيضاً المعادل الموضوعي للموسيقى كلغتين عالميتين يسهمان في بناء جسور التفاهم والتواصل بين الحضارات على عكس فروع الإبداع الأخرى، لهذا نجدنا الآن في عصر أطلق عليه عصر الصورة بمفرداتها كافة،
كمادة سياسية وإعلامية وثقافية تصدرت واجهات التعبير الإنساني، وعكست مفاهيم تطورية جديدة لها تأثيرها السحري في تكوين الثقافات. وقال: وما من شك في أن كثيراً من الدول تولي اهتماماً خاصاً بالمعارض الفنية والثقافية كونها تشكل مصدر ترويج مهم ودعاية سياحية للبلد، لهذا تعتبر دائرة السياحة والتسويق التجاري في دبي مثل هذه المناسبات فرصة عظيمة للولوج إلى الشعوب الأخرى من نافذة الفن والإبداع،
التي تشكل بدورها عاملاً رئيسياً ضمن عوامل الجذب السياحي المتعددة التي تتمتع بها دولة الإمارات العربية المتحدة. وتمنى بن سليم كذلك أن يكون معرض «الفن العربي المعاصر من الخليج» فرصة للتواصل بين الحضارات وأن ينقل عبر لوحاته الإبداعية أبلغ رسالة عن وطننا الحبيب تقرأها عيون الآخرين.
* رسالة إماراتية
من جانبه قال الدكتور صلاح القاسم الأمين العام إن مشاركة مجلس دبي الثقافي ودعمه لتواجد الفنانين الإماراتيين في معرض «الفن العربي المعاصر لفناني الخليج» خلال الشهرين المقبلين تأتي كواحد من الأهداف الأساسية التي يسعى المجلس إلى تحقيقها والعمل على تثبيتها في جدول أعماله السنوي.
إن أهمية تواجد الفنان والمبدع الإماراتي في الخارج، وحمله لرسالة الإبداع والإشعاع الحضاري للدولة، توازي في الأهمية، العمل على تنسيق وتنظيم ودعم الأنشطة الثقافية في أشكالها كافة من معارض فنون تشكيلة وليال شعرية وموسيقية ومحاضرات ورش عمل وغيرها في الداخل. وتكمن أهمية وضرورة التواجد في الخارج، جنباً إلى جنب مع بقية الدول الخليجية، في التعبير عن وتوضيح مدى ما توصل إليه إبداع الإنسان الإماراتي، والفنان التشكيلي في الدولة،
وكل ذلك بالطبع مقرون بالتطور الحضاري والنهضة الاقتصادية الكبيرة التي شملت البلاد خلال العقود الماضية. كما أن المشاركة في مثل هذه المعارض تساهم مساهمة جادة في الترويج للدولة من نواحٍ عدة أهمها الجانب الثقافي والأدبي، تتكامل فيها جهودنا مع جهات أخرى ومؤسسات عامة تقوم بهذا الجهد نفسه لتقديم الفكرة الحقيقية عن الدولة وإنسانها.
وأضاف د. القاسم: ان هناك عدة أمور كانت واضحة أمامنا، ونحن نتفاكر حول أهمية المشاركة في معرض الفن العربي المعاصر لفناني دول الخليج، لعل أبرزها: أهمية وضع خطة عمل وبرنامج واضح لمجلس دبي الثقافي يستغل أشهر الصيف التي تتوقف فيها غالب البرامج في الدولة، ويتجه نحو تطبيق أهمية دفع تواجد الحركة الثقافية والفنية والأدبية في الخارج،
خاصة في الدول المهتمة بدراسة والتعرف على الفنون الخليجية والإماراتية بصفة خاصة. إن ما يحفزنا أكثر لدعم ورعاية مثل هذه المشاركة هو الاهتمام المماثل الذي تجده فنوننا من جهات خارجية تهتم بجانب الفنون في كل أنحاء العالم، وتسعى إلى تعريف الجمهور العالمي عليها، وهو الشيء الذي يجب أن يقابله اهتمام مشترك منا في المجلس كجهة تضع ضمن أولوياتها نشر وتعريف العالم على الفن والإبداع في بلادنا.
مرعي الحليان