البحث عن أية حقيقة عبث..

فالقلوب تطوى عليها، والعقول تختزنها، واللسان يكف عن الحركة إن لم يوعز إليه لقولها.

يسعى الإنسان للوصول إليها، بالشك والتساؤل والحوار والتفكير والتدقيق، ولكن لا شيء من هذا يجعلنا نضع يدنا عليها.

العقل يستطيع بقدر.

والقلب قادر بحدود..

لكنها نسبية، وغاية لا تدرك.

تاريخنا..

بل تاريخ العالم كله..

أغلب أحداثه تتوه الحقيقة فيها باحثة عن نفسها..

فالأقوياء يسجلون الأحداث حسب أهوائهم في العصور كلها، وذوو المصالح يفعلون فعلهم، وخلال الحروب يتبعثر كم هائل من الحقائق، ويندثر، والكوارث الطبيعية تطمس معالم الكثير. الكثير منها، والحاقدون يلفقون، ويزورون،

فيتخبط من يبحث، ويدرس ليصل إليها قائلا: قيل، وذكر، وورد عن فلان كذا،وعن آخر كذا، وقد يكون هذا.

وتختلف الآراء، ونحار نحن أي رأي نتبنى، وبأية حقيقة نقتنع.

ـ الليل... والريح تنوح بعد العاصفة، الظلام يجثم على صدر المدينة النائمة.

الوجوه متجهمة صخرية الملامح، والقلوب دربت على القسوة، والعيون مات فيها الحب.. البيت الهادئ يعج بخطوات الرجال الغرباء، ومحتوياته تتبعثر، وترتمي بذعر هنا وهناك، وصاحب البيت... الأديب الكبير ينظر باستغراب وحزن لمقتنياته وهي تتناثر أمامه كشظايا قنبلة انفجرت للتو، فيهرع ليلتقط ما يستطيع التقاطه، ويودعه مكانه آمناً قبل أن يصل إلى مقره الجديد في أرض الغرفة.

همهمة وغمغمة وصوت آمر..

كل ركن قد يكون مخبأ.. الحقائب التي تنام بسكون ومنذ زمن بعيد.. بعيد على رفوف الخزانة، وجيوب البزات القديمة والجديدة، وقطع الأثاث. لا تدعو مكاناً ينجو من أيديهم لم يبق إلا المكتبة.

مكتبته. بل معبده. لا. لا يمكن، سيموت قهراً لو بعثروا كنوزه.

وقف في وجوههم ساداً مدخل الغرفة بجسده.

زغردت الفرحة في أعماقهم، وولولت الشياطين قائلة. إذاً هنا سنجد ما نبحث عنه.

دفعوا جسده الهش بعيداً، وولجوا المعبد.

آلاف الكتب بين أيديهم، وأمام أعينهم.

يوم. يومان. أيام وهم يقرأون.

قال أحدهم: بل إنه أصولي

وقال آخر: لابد أنه فيلسوف عظيم.

وهمهم آخر: إنه شاعر مبدع، ومتصوف أيضا.

قال آخر: إنه مجرد رجل رومانسي تافه، مجنون.

صرخ الجميع بصوت واحد: أين الحقيقة..؟

أصابع الزمان أسدلت ستارها على البيت القديم، وبنت العصافير أعشاشها على النوافذ وفوق حواف الأبواب، ومازال الرجال ذوو الوجوه المتجهمة، والقلوب القاسية، والعيون التي مات فيها الحب يبحثون عبثاً عن وهم اسمه الحقيقة..!

* يعيشان معاً منذ عشرات السنين.

وجدا بعد جهد أن الصمت هو الحل الوحيد لمشاكلهم كلها.

حقيقة المشاعر في القلبين.

يتساءل هو دائما.. تراها تحبني.؟

وتتساءل هي.. تراه يحبني؟

الحقيقة ظلت في القلبين متأرجحة، تتلاعب بها الظروف وتصرفات كلا الطرفين.

* صباح يوم ما..

وجدت ممددة على أرض أحد شوارع تلك المدينة الغريبة التي التجأت إليها هرباً من وهم اسمه الشيخوخة.

قالوا.. انتحرت

وقالوا.. لا يمكن لإنسانة تعمل بجد لاستعادة صحتها وحياتها، أن تنتحر.

وقالوا.. قتلت.

وقالوا.. كانت تعاني من اضطرابات نفسية فاحتمال الانتحار وارد.

وقالوا.. لا يمكن لامرأة مؤمنة ان تفعل.

وقالوا.. وقالوا.. وقالوا..

القضاء أطلق حكمه، لكن الأدلة لم تقنع أحداَ.

الأسئلة ظلت كثيرة والإجابات محيرة، والحقيقة في عالم الغيب.

لن يعرفها، ولن يستطيع الوصول إليها أحد.

ـ كان يقول لها مقسماً

أنها وحدها حياته ودنياه..

وحين مضى عن عالمها، بكت، وحزنت عليه كما لم يحزن أحد. وشعرت أن الدنيا أقفرت وغدت موحشة دون وجوده.

ضمّت أولادها إلى حضن قلبها، وأخذت تحدثهم عن أب لا مثيل له ولا شبيه..

وحين تم حصر الإرث، تبين أن زوجة ثانية كانت تعيش معه، وتعتقد أنها وحدها أيضا حياته ودنياه...!

وفاء أوغلي