يبرر الكاتب محمد محيي الدين مينو اختياره لخطيب بدلة بأن رؤيته الساخرة قد أثرت في طريقة تعبيره وفي لغته السردية، فتمّيز من سواه وكوّن تجربته المتميزة، وأما عن سبب اختياره فيقول « لا اعتبار لدي لجيل دون آخر ولا لمدرسة دون أخرى إلا جدّة التجربة وتميزها ».

واختار عام 1967 حّداً فاصلاً بين فترتين من تاريخ القصة السورية القصيرة لعدة أسباب: ظهور كوكبة من القاصين الجدد، وإخلاص أغلب كتاب السبعينات للقصة دون الرواية، وميل كتاب القصة إلى التحديث في تجاربهم، والاهتمام غير المعهود نقدياً وصحافياً بفن القصة القصيرة، وظهور متخصصين بفن القصة القصيرة.

لفتت السخرية في تجربة خطيب بدلة القصصية كل من قرأه، ونحن إذا ما دخلنا عالم خطيب بدلة القصصي في مجموعاته الخمس رأينا أنه أخلص في لغته القصصية للسّرد، وهو يلعب دور عيسى بن هشام، الراوية العليم الذي يمسك بزمام السرد وأحداثه معاً ويلوي عنقه حتى يفتّ في عضده وسطوته، ويخرج من إساره وسلطته ويفتّت بنيته التقليدية التي لم تعد عناصرها تتساوق على وتيرة واحدة. إن أسلوب الكاتب في الهزل كان مناورة فنيّة ذات بعد أيديولوجي، انتهكت الأعراف القصصية السائدة،

وقلبت البناء التقليدي للقصة القصيرة رأساً على عقب لتقيم على أنقاضه أبنية من القصّ جديدة، لا تنظمها نظرية ولا يؤلفها قانون، فالسخرية على حد تعبير جان إيف تادييه تؤدي إلى: تهديم النص، ولاسيما شكله الفني، واختراق اللغة أو انزياحها إلى (المحكي). لم تكن رؤية القاص خطيب بدلة السردية ذات زاوية واحدة للرؤية فحسب،

بل كانت تتيح لشخصياتها فرصة الرواية والتعبير عن وجهات نظرها، وكأن كل واحدة منها تتناوب مع الراوي الخارجي في رواية أحداث حكايته واسترجاعها، وهو ما يؤدي إلى إيداع أشكال من القصّ متمايزة تسمى : « القص داخل القص » وهي طريقة جديدة في القصّ لا نكاد نجدها في القصة السورية إلا لدى خطيب بدلة.

في مجموعة « حادث مرور » يخرج خطيب بدلة عن السرد المباشر خروجاً سافراً، وهو يجرب فنون القصّ وطرائقه، وكأن هذه المجموعة خلاصة تجربته الإنسانية والقصصية وقوامها وملاكها؛ وتبدو أغلب قصص هذه المجموعة مجرد ( سخريات صغيرة ) على حد تعبيره.

وهكذا نرى أن تجربته القصصية في مجموعاته الخمس لم تستقر على شكل قصصي واحد، بل سعت أن تجرب أشكالاً من القصّ مختلفة، وتقدم ألواناً من السرد جديدة، ولكنها في سعيها الحثيث ظلت أمينة على عنصر الحكاية، لم تخل به على حساب العناصر الأخرى للبناء الفني للقصة القصيرة، لأن الحكاية لديه هي الهدف، ولأن طرق التعبير عنها هي الوسيلة. لا يقتصر أثر السخرية في الشكل الفني للقصة القصيرة فحسب، وإنما يجاوزه إلى اللغة القصصية،

ولا سيما السرد، لأن السخرية في الأصل مناورة تفسد المعايير وتنتهك الأعراف ولأنها أيضاً أسلوب من أساليب التعبير، يقوم على جملة من الانزياحات اللغوية التي تسهم في إنتاج دلالات النص. لا يحفل القاص بدلة بالدلالة المعجمية للكلمة، بل لا يأبه أحياناً لفصاحتها وسلامة صياغتها، إذا ما انزاحت إلى موقع آخر على ألسنة العامة وأصبحت شائعة متداولة « قصة حنتكوري ليمتد »،

وفي قصص الكاتب تشيع كنايات للعامة تشير إشارة لطيفة إلى صورة من الصور أو لتختصر حالاً من الأحوال، انظر « امرأة تكسر الظهر »، كما شاعت فيها الاستعارات « الكلب مهما سمن فإن لحمه لا يؤكل »، ولكن هذه الألوان من البلاغة لم تكن تؤثر في طبيعة السرد ولم تحوله إلى الوصف، لأنها كانت تقتفي الحدث، وتتساوق مع حركته، فلم تكن ذات طابع تزييني، والقاص بدلة يبدو في قصصه حريصاً على (السرد الحكائي) لا على (الوصف) إلا في بعض قصصه القصيرة.

فيصل خرتش