يعتبر الفضاء المسرحي أيقونة النص. ويتشكل العرض كصورة مرئية تشكيلية وحيوية من القنوات النصية باعتبار النص نسق علامات لغوية مادته صوتية، ومجمل هذه العلامات والمدلولات اللغوية والتصويرية التي يحملها الوصف والحوار تقدم تصوراً لفضاء مكاني وزماني هما حيِّز النشاط النفسي للشخصيات حين نقوم بمسرحة هذه النصوص والأساطير.

يعيد المسرحي تشكيل العالَمَيْن، عالم الواقع الخارجي بمستوياته الزمنية، وعالم الواقع النفسي بمستوياته الشعورية، وتأخذ المنظومة الفكرية المعرفية التي يتحرك في فضاءاتها المسرحي دورها في ترتيب هذين العالمين. وإذ يقوم الواقع على ثنائيات متضادة أو متناغمة فإن هذه الثنائيات ستظهر في صياغات فنية معادلة في عمل المسرحي، سواء في المقدس أو الدنيوي أو فيهما معاً.

سر الحركة في الوجود يكمن في التقابل والتناغم والتحاور بين هذه الثنائيات وبالمقابل فإن سر الحركة في الوجود المسرحي يكمن في هذه الثنائيات المتناغمة أو المتضادة ويعطينا القرآن الكريم أمثلة كثيرة لهذه الثنائيات التي تتحرك ضمن فضائين يشكلان أساساً ثنائية الوجود : الحياة الدنيا، والحياة الآخرة. وإذ تقوم الأولى على ثنائية الكفر والإيمان، فإن الثانية تقوم على ثنائية الجنة والنار، الثواب والعقاب. وتعتبر سورة الرحمن المثال الأفضل لهذه الثنائيات المتناغمة والمتضادة في تشكيلاتها اللغوية والتصويرية والدلالية.

والمسرحي يدرك بأن لكل شخصية فضاءها الذي تتحرك فيه،كما يدرك بأن أفضل تحرك لمجموعة الشخصيات عندما يكون ضمن ثنائية فضائية فيها تتشكل الأحداث وتتبلور الشخصيات وتتوالد دراما التناغم والتقابل، والمسرحي يدرك جيداً أن العمل على هذه الثنائيات الجزئية في ثنائية الفضاء الكبرى هو إدراك لسر الدراما.

تتحدث أسطورة بابلية عن هبوط نرجال ـ إبليس ـ من عالم النور ـ السماء ـ إلى العالم الأسفل، عالم الظلام ـ جحيم أرشيكجال ـ لأنه لم يسجد لوزيرها نمتاز: «عندما أقامت الآلهة مأدبة فاخرة. بعثوا رسولاً عنهم لأختهم أرشيكجال يقول لها: إذا كنا نستطيع الهبوط إليك. فإنك لا تستطيعين الصعود إلينا، فهلا أرسلت رسولاً نعطيه نصيبك، فبعثت أرشيكجال بوزيرها نمتاز. فصعد نمتاز إلى السماء الأخيرة. ودخل المكان على الآلهة المجتمعين، فنهضوا جميعاً لتحية نمتاز رسول أختهم العظيمة إلا نرجال فقد بقي جالساً».

ويُحكَم على نرجال بالهبوط إلى العالم الأسفل، لكنه هناك لا يُقْضَى عليه بالموت وإنما يقترن بربة العالم الأسفل ويُؤتى أَلواح الحكمة الإبليسية..!مثل هذا التمرد الذي ينتهي بالهبوط من الفضاء العلوي إلى الفضاء السفلي نجده أيضا في المسيحية في قصة لو سيفر -إبليس - وكان في السماء ملاكا عظيما رفض السجود لآدم فقضى الله عليه باللعنة والهبوط..

وفي القرآن الكريم ترد قصة هبوط إبليس من فضاء النور والخير والتمجيد إلى فضاء الظلام والشر والكفر للسبب نفسه : «قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون. قال فاخرج منها فإنك رجيم. وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين. قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون. قال فإنك من المنظرين. إلى يوم الوقت المعلوم. قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين» (الحجر 33 - 39).

هنا تتكرر الصورة ويستخدم إبليس ألواح الحكمة للإغواء.هذه الثنائية التي تقوم عليها دراما الوجود تتكرر بأشكال متعددة في معتقدات كثير من الشعوب، وهي ثنائية تفرز فضائين غير متماثلين، لا يتقاطعان، ولكنهما يسمحان بالاختراق، فإن أنانا السومرية، وعشتار البابلية، تجتازان الفضاء الأعلى من جديد، وفي حكاية مسيحية شعبية تعود إلى القرن الثالث يهبط المسيح (عليه السلام) إلى الفضاء الأسفل لينقذ مجموعة من الأنبياء والقديسين ويعود بهم إلى الفضاء الأعلى ـ السماء ـ .

إن فكرة وجود فضائين غير متماثلين تتوزع فيهما العناصر المقدسة والإنسانية والأشياء هي من بنية الفكر الإنساني، وتبدو ضرورية في الصراع الوجودي على خشبة الحياة، هذه الضرورة انسحبت على المسرح كنتاج عقلي إبداعي وفني للفكر الإنساني، يقول آن أوبرسفيلد: « توصلنا إلى اكتشاف فضائين دراميين أو منطقتين دلاليتين، وهما فضاءان غير متماثلين، غير متقاطعين في النص الدرامي، عملهما ليس متماثلاً وعناصرهما مكانية أو قابلة لاكتساب الخاصية المكانية».

في هذه الفضاءات الدرامية تتوزع مجموعة من العلامات، وهي جزء منها، كالشخصيات المسرحية، وأجزاء الديكور، وعناصر التشكيل، وتعتبر مستويات الزمن جزءاً من الفضاء الدرامي، وتكتسب المفردة الدرامية دلالتها حسب موقعها وعلاقتها بالفضاء، فالملك في فضائه غير ملِك في فضاء آخر. وهذه المفارقة الدرامية تبدو واضحة في النصوص الدينية. يقول انكيدو لصديقه جلجامش وهو يحدثه عن حلمه في العالم الأسفل :

« في مباءة التراب. لما دخلتها. بصرت بالملوك والحكام. تيجانهم شهدتها. قد نزعت. وكدست. في ركام. أجل رأيت الملوك العظام. أولئك الذين كانوا يلبسون التيجان ويحكمون الأرض في قديم الزمان « وفي السيرة الهلالية يكون أبو زيد أميراً مكرماً في الفضاء الهلالي، وشخصاً جوالاً في فضاءات الريادة، والأمر نفسه بالنسبة لكليب صاحب السلطة في قبيلته، نجده يأخذه دور المهرج في بلاط الملك الحميري.

إن فكرة وجود الصراع الدرامي في المسرح تفرز بالضرورة فضائين مختلفين، يتوزع فيهما الأقرباء والغرباء، الأحياء والأموات، الفقراء والأغنياء، الأحياء والأشرار.. الخ.وفي بناء الفضاء المسرحي نصاً وتشخيصاً غالباً ما يقوم المخرج بوضع الشخصيات النبيلة أو التي تتمتع بالألقاب في موقع علوي، ويضع الشخصيات غير النبيلة أو العامة في موقع سفلي، ومن انتقال هذه الشخصيات من فضاء إلى آخر تنشأ الحركة الدرامية.

ويعمق المخرج هذه المفارقة بين الفضائين بتأكيدها في المباينة في الملابس والأدوات والأداء والمؤثرات الموسيقية والدراسة اللونية، فهناك غالباً شخصيات شريرة تلبس الأسود، وشخصيات خيرة تلبس الأبيض، وشخصيات نبيلة تلبس الملابس الأنيقة والفاخرة، وشخصيات عادية أو وضيعة تلبس الملابس العادية أو «المهركلة» وتتحدث بلغة شعبية أو وضيعة.

هذا الأمر يقودنا إلى الفضاء اللغوي الخاص بكل من هاتين الثنائيتين، وعندما نتحدث عن ثنائية الفضاء المسرحي فإننا لا نعني أحاديتين، ففي إطار كل فضاء منهما ثمة فضاءات متعددة تقع داخلها جملة من العناصر المسرحية، والشخصيات، والعلاقات الاجتماعية والإنسانية والذاتية التي تساهم في صنع الفضاء العام.

ثنائية الفضاء الدرامي لابد أن نعيدها إلى مرجعيتها في نماذج الفضاء في المقدس التي تقوم على ثنائية تبنى على أساسها صورة العالم الدنيوي والعالم الآخر، وهي فضاءات تقع ضمن دائرة واحدة هي الفضاء الإنساني، حيث الإنسان هو المعني بالخطاب في المقدس، وهو في مركز هذه الدائرة وعلى محيطها وأقطارها، وهي فضاءات قائمة على منطلقات أيديولوجية.

إذا كانت الفضاءات الدنيوية في المقدس والتي يتحرك فيها الطغاة والظالمون والمتكبرون عالية مرتجلة فخمة فإن الفضاءات التي يتحركون فيها في العالم الآخر كما ترسمها النصوص هي فضاءات سفلية مرتبطة بالجحيم، وغالباً ما تنقطع تلك الحياة الدنيوية الفخمة بهؤلاء فجأة فيحل الغضب الإلهي ويسود الفضاء المظلم في ألوان العقاب الدنيوي من الأخذ بالزلازل والصيحة والحاصب والريح ليتصل بنقلة مباغتة مع الفضاء المظلم في الآخرة حيث تسود ألوان العذاب..

أما الفضاءات التي يتحرك فيها المؤمنون، الصابرون، الخيرون، فهي فضاءات سامية وإن كانت متسمة أحياناً بالمعاناة، وهم يجزون في العالم الآخر بفضاءات علوية تحفل بصور وعناصر مادية فاخرة وأجواء نفسية مريحة متصلة بالجنة ونعيمها. وهذه الثنائيات تفرز مقابلها في الفضاء اللغوي والدلالات بحيث يتكامل البناء المشهدي..

في القرآن الكريم نجد في بنائية الفضاء العلوي صوراً وألفاظاً وأدوات تتكرر مثل : جنات، أنهار، أرائك، حور عين، فواكه، أشجار دانية القطوف، إنها مناخات الرضوان الإلهي والسلام.وفي بنائية الفضاء السفلي نجد صوراً وألفاظاً وأدوات تتكرر مثل : جحيم، سموم، شجرة الزقوم، ملائكة غلاظ شداد، إنها مناخات العقاب والخوف والعذاب.

وهناك أيضاً في المسرح فضاء لغوي معادل له في صوره ودلالاته، يقدم الأدوات أو العناصر المسرحية اللازمة في بناء الفضاء العام.ومن التقابل بين الفضائين العلوي والسفلي في المقدس تتولد دراما الوجود الإنساني. ومن التقابل بين الفضائين العلوي والسفلي في المسرح تتولد دراما العمل المسرحي.حين نعود إلى أقدم النصوص المقدسة نجد هذا التقابل، ونجد مفردات المشهد والصور مشابهة لما هي عليه في النصوص المتأخرة. جاء في أسطورة سومرية عن «عالم آخر» مغاير لواقع العالم الدنيوي مايلي:

«في تلك الأيام لم يكن هناك حية ولاعقرب ولا ضبع. لم يكن هناك أسد ولا كلب شرس ولا ذئب. لم يكن هناك خوف ولا رعب. كان العالم يعيش في انسجام تام، والكل يسبح بحمد أنليل».وفي المفهوم نفسه تتحدث أسطورة دلمون: «في أرض دلمون لا تنعق الغربان. ولا تصرخ الشوحة صراخها المعروف. حيث الأسد لا يفترس أحداُ. ولا الذئب ينقض على الحمل.

ولا الكلب المتوحش على الجدي. ولا الخنزير البري يلتهم الزرع. حيث لا أحد يعرف رمد العين. ولا أحد يعرف آلام الرأس. حيث الرجل لا يشتكي من الشيخوخة. ولا تشتكي المرأة من العجز. حيث لاوجود لمنشد ينوح. ولا لجوال يعول».هكذا تحيلك هذه المفردات والصور إلى فضاء واقعي تجري فيه الأحداث، وهكذا في المسرح ثمة مستويان، أحدهما واقعي يقدمه لك العرض المسرحي بمفردات الواقع وصوره، والثاني متخيل تحيلك إليه المفردات والصور نفسها في جوهرها النقدي التغييري وبحركة الدلالة.

والفضاء في المقدس والدراما ليس ساحة للفعل الدينامي الخارجي فحسب وإنما هو ساحة للفعل الدينامي النفسي أيضاً.في الفضاء العلوي المقدس تتقابل وتتجاور وتتحاور الأنا العليا والأنا النفسية، والأنوات الأخرى، في تناغم وأمن ورضى، وثمة إحساس نهائي بساحة مفتوحة على سعادات لا نهائية.وفي الفضاء السفلي المقدس تتصادم وتتلاوم وتتحاور الأنوات في غضب وخوف وقلق وثمة إحساس مكاني بساحة مغلقة على آلام لا تنتهي..

وعلى خشبة المسرح وفي النصوص التي تتناول الشخصية من الناحية النفسية تتوالى هذه المقابلات والصراعات داخل النفس وبين الأنوات المتعددة.إذا كان سر الوجود واستمراره يكمن في حركة الصراع والتقابل بين عناصره فإن قيمة أي عمل درامي تكمن في شحن عناصره بهذه الحركة الوجودية، وفي توزيع هذه العناصر ضمن فضاءات النص المتقابلة، إن هندسة الفضاء في المسرح تكون أكمل وأفضل عندما تقوم على أساس فلسفي وجمالي.

عبد الفتاح رواس قلعه جي