أحد ملامح التعددية في الحياة الثقافية في بريطانيا ما يعرف بمسرح السود، أقدم مسارح أوروبا التي ينطلق منها الفنانون وتتخذ فيها أهم القرارات المتعلقة بالنشاط الإبداعي المسرحي. وقد تواترت الأخبار مؤخراً حول قرار مجلس الفنون البريطاني القاضي بوقف الدعم المالي عن هذا المسرح الشهير بالتزامه الشديد مما أثار التساؤلات حول ما وصفه البعض بالكارثة الثقافية.
في حواره مع محرر صحيفة الغارديان اللندنية يقول فيلكس كروس مدير شركة نيترو للمسرح إن تاريخ هذا المسرح الطويل في بريطانيا أصبح مليئاً بهياكل المباني المتهاوية. كانت هنالك العديد من المسارح، مسرح راوندهاوس، مسرح نيا سنتر، كوتشرين وغيرها. وسوف يضاف إليها الآن مبنيً جديداً. إلا أن مجلس الفنون أوقف دعمه لما يمكن أن يكون المقر الدائم للفنون السوداء، وهو المسرح المزمع تشييده على أنقاض مسرح وستمنستر اللندني.
المسرح الجديد هو ما يعرف بمنزل تالاوا، أحد مؤسسي مسرح السود، المعروف بتاريخه الحافل والمشرف على مدى السنوات التي أمضاها في بريطانيا. يصل عمر المسرح الآن إلى 21 سنة وكان قد تأسس على يد إيفون بروستر وظل يلعب دوراً مهماً في الحياة الثقافية في بريطانيا.
قبل أشهر تعرضت المؤسسة لما يمكن أن يعبر عن أزمة داخلية حين شهدت عدداً من الاستقالات على مستوى الإدارة والعاملين فيها وهو ما حدا بالمجلس الثقافي إلى التشكيك في قدرته على تعويض المبالغ المخصصة له أو توفير العناصر البشرية والرؤية الفنية اللازمة للمضي به إلى الأمام وبناء عليه قام باتخاذ قراره الخطير.
يعود تاريخ مسرح السود في بريطانيا إلى سنة 1511 عندما استأجر الملك هنري الثامن نافخ بوق أسود للظهور في إحدى المسرحيات. ويظهر الممثلون السود في لوحات وليم هوغارث التي يرسمها في القرنين السابع والثامن عشر. ومع تدفق السود إلى بريطانيا تزايدت الحاجة إلى التعبير عن ثقافتهم. كان أول من عمل في مجال التمثيل هو الأميركي آيرا ألدردج (1804-1867) الذي حاز على الإعجاب في كافة أنحاء أوروبا من خلال شخصية عطيل وغيره من شخصيات مسرحيات شكسبير.
أما المسرح الذي أسسه مهاجرو الكاريبي في بريطانيا فلا يعرف عن تاريخه إلا القليل. تعود جذور هذا المسرح إلى مساهمات الموسيقيين والراقصين والممثلين المسرحيين. اشتهر من هؤلاء كارلتون براين 1906 وايرنست ترمنغهام مؤلف «زنبقة برمودا» 1909 وويل جارلاند مؤلف «رحلة في أرض الزنوج» وأونا مارسون وهي مؤلفة وكاتبة مسرحية سياسية أهم مؤلفاتها مسرحية «بوكومانيا» 1938 التي تعالج موضوع امرأة شابة مفتونة بحركة الإحياء الديني.
أما روبرت آدمز (1900-1965)، فعلى الرغم من أن الكثيرين لا يتذكرون إنجازاته بشكل جيد إلا أنه حسبما يعتقد البعض ممثل سينمائي وإذاعي وتلفزيوني ناجح إضافة إلى تأسيسه مسرح «نيغرو ريبرتوري آرتس» الذي اشتهر بتمثيله مسرحيات كبار الكتاب المسرحيين ومنهم «أوجين أونيل». مسرح آخر لا يقل أهمية هو مسرح «يونتي» (1937-1975) أو مسرح العمال الذي انتشرت فروعه في لندن والمدن البريطانية الكبرى.
فيما شهدت الخمسينيات والستينيات المزيد من النشاط المسرحي النوعي، الذي كان أحد عناصره الكتاب البريطانيين من أصول كاريبية من أمثال إيرول جون ومايكل أبنسيتس وباري ريكورد ، شهدت سبعينات وثمانينات القرن المنصرم ولادة مسرح جديد أسهمت في إنجاحه إبداعات جديدة، مسرحيات مصطفى ماتورا، ترش كوك (مسرحية أمهات الشوارع الخلفية) بربارة كلاودن (الأميرة القرصانة).
إضافة إلى مناقشات شديدة الأهمية حول موضوعات وتجارب مستجدة كموضوعات الفن ودوره التوعوي في الحياة والهوية والصراع العرقي داخل بريطانيا، يشار هنا إلى مسرح «فوكو نوفو»، مسرح أوفال هاوس، مسرح درم في برمنغهام، مركز نيا، مانشستر. في حين يأتي مسرح تالاوا 1985.
كتبت هيلين كولاول محررة الجارديان، 2003 «ثمة ثورة هادئة تجتاح المسرح البريطاني تتصدرها الممثلات السوداوات والآسيويات». منذ بداية الألفية الثالثة تدفقت على المسرح البريطاني العديد من المساهمات الاستثنائية في مجال التأليف والإخراج والإنتاج المسرحي حملت أسماء منها على سبيل المثال «كارينا جونسون» مخرجة مسرحية «صباح باكر» وهو عمل ساخر يجسد رؤية ثورية على الواقع وتدور تفاصيله حول مؤامرة تقودها مجموعة من الزبالين.
ترى إيفون بروستر أن هذه المبادرات الجديدة على الرغم مما تشكله من تحد تقف في وجه مبادرات أخرى تصفها بالتقليدية كان قد أشرف عليها أشخاص مثل بيرل كونور 1956 والممثلة المعروفة كارمن مونرو على الرغم من تثمينها الشديد «الحقيقة ما كان ليتسنى لنا أن نعمل لولا هذه المبادرات».
أحد الأسماء المنتمية إلى ما يسمونه الجيل الجديد في المسرح البريطاني اليوم «دبي تكر غرين» مؤلفة مسرحية «اعشقها أو اكرهها» وكان نجاحها قد بدأ بمسرحية «سيئ بالفطرة» التي قالت صحيفة الإندبندنت أن أعمالها بدأت تترك أثراً ملحوظاً في الساحة المسرحية. يأتي تحليل ونسوم بينوك (الأم الروحية للمسرح الأسود المعاصر) كخاتمة «المسرح شكل من أشكال الوعي الأخلاقي للمجتمع، مساحة يختبر فيها نفسه. ولو فقد أي من أصواته القوية فلا أتصور أنه سيفي بما يستلزمه الدور المناط به».
مريم جمعة فرج