لاشك أنه يحسب للقائمين على النشر في سلاسل مكتبة الأسرة (2005) الصادرة في مصر، اهتمامهم بإصدار إحدى درر الكاتب الأميركي الراحل آرثر ميلر (1915 ـ2005)، وهي مسرحية «كلهم أبنائي» بمناسبة مرور تسعين عاماً على مولده. قام بترجمتها عبد الحليم البشلاوي، الذي يحسب له تلك المقدمة الضافية، التي ساعدت على إضاءة مراحل (إبداع) هذه المسرحية !.
تتكون مسرحية «كلهم أبنائي» من ثلاثة فصول، وهي تقدم مأساة حياة رجل أعمال هو جو كلر، ممن أثروا من التعامل مع الجيش خلال الحرب العالمية الثانية بقطع غيار فاسدة للطائرات، وقد برّئت ساحته وسجن شريكه ستيف اعتمادا على أنه هو الذي ارتكب ذلك الفعل منفردا، لأن جو كان مريضا بالانفلونزا في ذلك اليوم وبالتالي لم يذهب إلى العمل.
تبدأ المسرحية بعد مضي ثلاث سنوات، يخيم عليها ظلّ ذلك الحادث، وان كان هناك حادث آخر يلقي بظلاله أيضا، هو مصرع لاري الابن الأكبر لجو بطائرته منذ ثلاث سنوات أيضا. دعا الابن الأصغر كريس آمي، التي كانت بالصدفة خطيبة لاري، لأنه كان يرغب في الزواج منها. وبينما يتردد الأب في الموافقة، ترفض الأم رفضا قاطعا، بحجة أن لاري سيعود مثلما عاد آخرون.
يحاول كريس أن يقنعها، لكنها ترفض الإنصات له. في الوقت ذاته بعد أن تخرّج جورج، شقيق آمي محاميا يزور والده ستيف في السجن للمرة الأولى منذ حبسه. وكانت آمي قد دعته ليلحق بها في منزل جو كلر، وحين يأتي تستقبله كيت والدة لاري وكريس بكل حب وترحاب، لأنها سبق أن ربته كابن لها.
تتصاعد أبعاد المأساة حين يصل جورج، لكنه يستجيب لحنان الأم كيت، ولا يواجهها بالاتهام، بل يستجيب لذكرياتها التي تسردها عن طفولته، حتى أنه يستعيد الأيام الماضية، ويقول لها «كيت، أنت تبدين صغيرة. لم تتغيري أبدا. هذا... يذكرني بالأيام الماضية وأنت أيضا يا جو. أنت كما كنت إلى حد مدهش. وكذلك الجو كله» فيقول كلر «لا وقت لدي للمرض» عندئذ تنفلت (الحقيقة) من فم كيت دون أن تدري «لم يرقد خلال الخمسة عشر عاما»،
وعندما يحاول الأب أن يستدرك خطأ الأم، يكون الوقت قد فات، وسرعان ما يواجه أخته بها، لكنها ترفض أن تتبعه، بل وتطلب منه أن يرحل. ويثور كريس حين يعرف أن أمه قد أعدت حقيبة سفر آمي، فيرفض ما فعلت، ويخبرها أن لاري مات، لكنها تعترض فتخرج آمي رسالة كان قد أرسلها لها قبل أن يصلهم نبأ اختفائه، بأنه قد قرر الانتحار بعد أن قرأ في الصحف أخبار فضيحة أبيه حول توريد قطع الغيار الفاسدة.
عندئذ يسقط في يد الأم، وتعترف وهي تواجه كريس، بأنه «إذا كان ميتا، فان أباك هو الذي قتله. هل تفهمني الآن ؟طالما أنت حي، فان هذا الولد حي»، فيواجه كريس أباه «أنت قتلت واحدا وعشرين رجلا!»، فيضطر الأب إلى الاعتراف بما ارتكب من فعل جسيم، وينتهي به الأمر إلى تحمل مسؤولية فعله، وينتحر!وعلى الرغم من أن آرثر ميلر كان مقبلا على العمل، إلا انه لم ينته منه إلاّ بعد مضي سنتين،
وهو يعلل ذلك بقوله «لقد قضيت زهاء سنتين في كتابة هذه المسرحية بسبب صعوبة مشابهة لصعوبة لقيتها في المسرحية السابقة، وهي مسألة الارتباط».ولنتوقف هنا قليلا أمام مسألة (الارتباط). كانت المسرحية السابقة «الرجل الذي كان له كل الحظ»، تعتبر محاولة لمعرفة الدور الذي يقوم به رجل في تقرير مصيره بناء على جريمة على وشك أن ترتكب، أي بين فعل وعاقبته،
لكن «الجريمة في «كلهم أبنائى» ليست جريمة على وشك أن ترتكب، بل جريمة تم ارتكابها من زمن طويل. ولا يمكن لأي شيء يفعله كرس كلر أو أبوه أن يخفف من العواقب. فالخسارة لا يمكن أن تعوّض. وكل ما بقي هو ضمير «جو كلر» وصحوته على الشر الذي فعله، وضمير ابنه في مواجهة ما اكتشفه عن أبيه».
كما كان هناك حصن عدم الارتباط «لأن الناس لا تستطيع التراجع عن بعض أفعالها»، وصحوة الأم التي ربطت بين موت ابنها وجريمة الأب، فابنها لم يمت، لأنه إذا مات فالأب هو القاتل، لذلك صدق آرثر ميلر وهو يعبر عن الهدف من مسرحيته، بقوله «ما كنت أسعى وراءه هو أن أبين أن عواقب الأفعال تكون واقعية كالأفعال نفسها»!
حسين عيد