كثير من المؤتمرات والندوات الدولية والإقليمية تتناول في إطار أطروحاتها حول قضايا المرأة صورتها في وسائل الإعلام، جدل كثير وكبير صب اغلبه في اتجاه واحد وهو ان المرأة ما زالت تعامل في وسائل الإعلام كأنثى جاذبة، وإذا انداحت الصورة إلى عالم الموضة وتجارة أدوات التجميل وعالم السينما والتلفزيون، فإنها تظهر في نطاق الكائن الجسد!
أين المرأة الفكر والفلسفة؟ أين قضاياها الجادة على الأقل على صعيد نطاقنا الإقليمي والمحلي، وبالأصح العربي؟ هل هناك فكر نسائي يأخذ مكانه في الرأي العام عبر وسائل الإعلام؟ وكيف تتعامل هذه الوسائل مع المرأة المبدعة، والمفكرة.. هل توجد خصومة بين الإعلام والثقافة النسائية؟ هنا مجموعة آراء لأصوات نسائية لها حضورها الفاعل على الساحة الثقافية محليا وخليجيا، فيها شيء كثير من العتب وفيها أيضاً ملامح استشراف لعلاقة يجب ان تأخذ وضعها الصحيح.
الأديبة الكويتية فاطمة يوسف العلي تفتح نافذة مغايرة وباتجاه المرأة حيث تقول: من المؤسف أن بعض الأديبات العربيات والمثقفات يشغلن الإعلام بضجيج غير مبرر قصد الشهرة المجانية والانتشار الزائل وقد أدى هذا مع الأسف أيضا إلى استنفار المحاور الرافضة لأنشطة المرأة وخروجها من المنزل إلى التصدي لها ومعاكستها سواء في قضايا الأدب أو قضايا المشاركة السياسية واستنفرت هذه المحاور الرافضة من تيار سلفي متشدد أو من تيارات أخرى إلى الاستعانة
بالإضافة لكتابات هذه العينة من الكاتبات إلى حضور المرأة في وسائل الإعلام وهناك شريحة منهن استخدمن للترويج الإعلامي، هذا من جانب ومن جانب آخر وفيما يتعلق بوسائل الإعلام وفي زمن العولمة والانفتاح الفضائي فقد استغلت المرأة استغلالا تجاريا واضحا، استغل فيه الفن والأزياء ومجالات كثيرة قصد التسويق والتجارة وان كان من بين بعض الفضائيات اهتمام جاد بالمرأة عبر طرح قضاياها وهمومها الفعلية من مواضيع مثل الحقوق السياسية وقضايا الحجاب وغيرها
وحتى في هذه القضايا كانت وجهة النظر السياسية تشوب بعض المحطات وخاصة التي تحمل نوايا سيئة للعرب وللمرأة العربية. المأزق أن المثقفة العربية أو المتطفلة على الثقافة لا تعي إشكاليات هذه القضايا وصورة مجتمعاتنا العربية التي تعيش تحديات حضارية تتطلب مواجهة الإعلام بجدية ووعي وبعد نظر لمخططات وأفكار دخيلة نساعد على تغلغلها بسذاجتنا وعدم وعينا لمجريات الأمور وخطورة الإعلام ووسائله عند المحاور أو الفضائيات المناهضة،
إن التلفاز والمذياع هذان الجهازان من الوسائل الإعلامية المهمة التي يمكن عبرهما نقل الناس إلى فضاءات خطيرة إذا ما وعينا لذلك سواء في القضايا الاجتماعية والثقافية والتربوية وتهم المرأة والأسرة.وترى الشاعرة البحرينية فتحية عجلان: أن قضايا المرأة مهمة للغاية حيث يقول البعض إن حصولها على الحقوق والفرص المتكافئة في العمل ضرورة وحاجة ملحة لابد وان تتحقق مؤكدين أن دورها وإمكاناتها في العمل والمنزل لا يمكن تجاوزه في الوقت الذي ينكر آخرون وجود إشكالية تميز الرجل والمرأة
وان هذه الدعاوى لتحرير المرأة ما هي إلا تعليمات مفروضة على مجتمعنا جاءت من الغرب. لاشك بأن للإعلام التأثير الأكبر في صناعة الرأي العام وهو بالتالي يلعب دورا متعاظماً في إعادة صياغة مفاهيم المجتمع في مراحل تطوره، فوسائل الإعلام جزء لا يتجزأ من البنية الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية للمجتمع وتسهم في تطوير هذه البنية بما تبثه من أفكار وتشيعه من قيم، فعلى وسائل الإعلام أن تزيد من تناولها لقضايا المرأة ليس لكونها متميزة عن الرجل،
بل لكونها شريكة كمواطنة لها ما له من حقوق وعليها ما عليه من واجبات. ونحن نرى أن تنظيمات ومؤتمرات الأسرة والمرأة عالميا وعربيا سارت دربا بعيدا إلا أنها لم تنعكس في وسائل الإعلام اللهم إلا العنف ضد المرأة، والمحاصصة لتمثيلها في البرلمانات أو الأحزاب أو جمعيات المجتمع المدني. ويقع على الإعلام توخي الدقة والتوازن والموضوعية في القضايا التي تخص المرأة.
والحفاظ على كرامتها في الأعمال الإعلامية المختلفة بعيدا عن الإثارة والتشويه وعدم استخدامها كأداة لتحقيق الربح المادي والابتعاد عن التركيز على الصور النمطية السلبية للمرأة والحرص على إبراز انجازاتها المعاصرة وأهمية دورها في المجتمع وإبراز المشكلات التي تعانيها نماذج المرأة الجديدة نتيجة المتغيرات والتطورات المجتمعية العربية المعاصرة.
أما فاطمة راشد العقروقة الملحق الثقافي في القنصلية العامة لدولة الكويت فتقول: قضايا المرأة في اعتقادها.. تعني المدى! لأنها قضايا أسرة وبالتالي مجتمع مرورا بدولة حتى تصبح عالما؛ تتطرق إليه فضائيات الإعلام وصفحات الجرائد والمجلات وتسري في أثير إذاعاته من خلال أجهزة الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة. مؤكدة أن هناك تقصيراً في طرح قضايا المرأة بمصداقية، وشعوراً بعدم الجدية في الطرح، واللاجدوى من اتخاذ القرار.
لا يعني ذلك عدم وجود أطروحات تمثل الواقع وتحلله بشيء من الدقة لكن تبقى «ولكن» هذه! فهناك مساحة حرية الصحافة المتفاوتة، وهناك مراكز البحث والاستقصاء الإعلامي المحدودة، المؤثرات السلبية التي تعزز التسطيح، وتقلص أثر القراءة؛ فنحن امة غير قارئة، وبالتالي فإن ايجابية الطرح مفقودة في الغالب.د. حصة لوتاه - أستاذ إعلام في قسم الاتصال الجماهيري بجامعة الإمارات تقول من جانبها: أتحفظ عادة على تناول الموضوعات ذات الصبغة العامة، لأننا لا نستطيع أن نلمس تفاصيل القضية في ما تعنيه للفرد.
وبشكل عام هناك طرح لبعض الأمور أو القضايا المجتمعية والتي تهم الطرفين المرأة والرجل لكن الإعلام ليس لديه توجه جاد لهذا الطرح أو القضية ولو قارنا نسبة البرامج أو الأعمال المعروضة في شأن قضية جادة أو ذات صلة، وما يعرض ليدمر هذه الطروحات فإنها لا تقارن، فنسبة الاهتمام بقضايا المرأة لا تتعدى عشرة في المائة تقريبا بينما الذي يتعرض لصورة المرأة وأسميها برامج الهدم تفوق هذه النسبة بمراحل بحيث لا تتناسب مع كمية ونوعية الطرح الآخر فتتعارض مع البرامج «الجادة»، ومما لاشك فيه أنها تؤثر سلبا.
وبقدر ما هناك محاولات أو اهتمام في هذا التوجه إلا انه ليس حقيقيا أو جادا كما يبدو لي وإلا لأخذ حيزا اكبر وشكلا مختلفا عما هو سائد وأحيانا تفتقد حتى الرزانة في مثل هذه البرامج، ويبقى التناول لمجرد سد ثغرة أو رفع عتب لا أكثر. لان المقابل للترويج الآخر الذي يؤثر على الصورة الواجب أن ترسم للمجتمع في ذهنية المتلقي عكس ما هو مطلوب بان تعكس، أي صورة مجتمع متماسك، لا أن يكون لمجرد سد بعض الفراغ.
ولكي يتحدد المسؤول؛ في اعتقادي لابد أولا أن نفصل بين وسائل الإعلام المختلفة لان أكثر وسائل الإعلام رواجا هي المرئية وهذه الوسيلة لا تحمل تلك المضامين التي تعزز القيم الايجابية والمعاني الإنسانية، أو التي تؤكد ارتباط الإنسان بمجتمعه بشكل كبير.والملاحظ أن هناك قطيعة بين هذه الوسيلة وبين المثقفين وأتحفظ كذلك على كلمة «مثقف» لأنها ذات إشكالية، وهي ليست بسيطة لأنها ليست ذات ملامح واضحة وهي محملة بمضامين لابد من تفنيدها قبل الاستعمال لأننا نستعملها جزافا في اغلب الأحيان،
لكني أجد القطيعة وعدم الاهتمام بالجدية في الطرح في التلفزيون مثلا، وان طرحت فإنها لا تأخذ حقها، ويبقى شكل التناول بعيدا عن العمق والدقة. فقضية مثل المناهج التعليمية حين يتم طرحها وتناولها في برنامج مباشر هل يتصور المرء انه من الممكن أن تحل في حلقة، وهل الوقت المخصص لولي أمر ليبدي اعتراضه وملاحظاته في القضية مناسبا حين يتجاوز الوقت المخصص للضيف المختص للرد على التساؤل، وهو مقتطع أصلا من ساعة بث لا أكثر؟!
لابد من إيجاد أسلوب مختلف للتناول لان الواضح أن ذلك الطرح والتناول لمجرد أن يقال ها نحن نطرح قضايا مهمة وفقط. هذا ليس أسلوبا. أرى أن إعلامنا أصبح بلا هوية، وأتساءل هل هو توجه العولمة والتعددية! لا بأس؛ لكن لابد أن يكون للمرء خلفية يستند إليها، وينطلق منها للمشاركة ضمن هذه التعددية بوعي وخطة ووجهة نظر. لا نريد أن نقدم حلولا لان القضية لا تخص فردا بعينه؛ لكننا نطالب بالحوار الذي يعطيها بعدها الحقيقي، وحقها الطبيعي من الجدل والمشاورات.
أما الإعلامية خيرية ربيع فإنها تحدد العلاقة بالقول: إذا اتفقنا على أن الإعلام الناجح يعد شاهدا على العصر الذي أنتجه، وهو بالتالي مرآة تعكس ما يدور في مجتمعاته بما ينقله من رسائل واقعية متعددة، وأخرى غيرها وفق مبادئ ومعايير واتجاهات؛ يفترض أن تكون مماثلة بالضرورة؛ فإننا قد نختلف على أن يكون إعلامنا العربي - وهو محور هذا الطرح- قد تعامل أو تعاطى مع قضايا النساء بتلك المعيارية التي من شأنها أن تعكس الحقائق خاصة إذا كنا المعنيين.
يفترض أننا نحاول دائما انتهاج أسلوب تحليل المضمون في النظر إلى هذه القضايا، وبالتالي كيفية تناولها على صعيد إعلامي؛ سواء كان ذلك بمناقشتها من خلال برامج حوارية، أو تناولها في مقالة صحافية، أو طرحها من خلال تحقيق صحافي، أو برنامج إذاعي أو حتى من خلال طرحها الفني في المنتج الدرامي.. مسلسلات تلفزيونية وإذاعية؛ إذ تأتي دائما منقولة بما يتوافق ورسالة الجهاز الإعلامي، أو الخطاب المجتمعي السائد، أو المرسل ذاته.. سواء كانوا جماعات أو أفراداً أو مؤسسات؛
فهناك الكثير من هذه الأعمال التي تتفق على عكس نموذج سلبي لعالم المرأة الداخلي، أو لأحوالها النفسية والفكرية، واحتياجاتها الضرورية إلى ما يتبع من تهميش وتسطيح لقضاياها المزعومة الطرح، أو التطرق، وبالتالي تبيان جاهزية الموقف المحدد سلفا من ذلك. وربما يكون الأقرب إلى الأذهان ما شاهدناه من خلال فضائياتنا المختلفة في الفترة الرمضانية المنصرمة، وما قبلها حيث لوحظ من خلال طرح قضايا المرأة في تلك الأعمال الفنية؛ عدم استنادها إلى نضج مقنع بمسألة الوعي العام بتلك القضايا؛
مما افقدها أية إضافة فكرية، وهو ما انتقص كثيرا من أهمية قضايا المرأة المتناولة دراميا، من ناحية أخرى اعتقد أنها بذلك أصبحت تساهم بصورة أو بأخرى في خلق ثقافة سلبية جديدة؛ قد تتبناها شريحة عريضة من أبنائنا الذكور لبلورة أفكارهم، ورسم اطر علاقاتهم بالمرأة وقضاياها، وقد ينطبق الأمر على الإناث أنفسهن من ذات الشريحة، وهذا هو الانكى، أو قد تساهم في خلق عامل من شأنه أن يكرس زيادة نسبة الأمية الثقافية فيما يختص بجوانب قضايانا الاجتماعية بين شرائح هذا الجيل.
أما على صعيد البرامج التلفزيونية والإذاعية؛ نجد أنها متجددة الأطر في محاولة الاقتباس من النموذج الغربي الشكلي؛ لكن المضامين وللأسف بقيت نمطية المحتوى، وبعيدة كل البعد عن ملامسة جوهر قضايا النساء المتجددة بفعل تحده المعطيات الأخرى؛ حيث راوحت حبيسة مضامين تقليدية مكرورة، لا تدع متلقيها إلى التفكير والبحث أو إعمال الذهن، وهو ما يقودنا إلى أسئلة عديدة؛ منها.. من هن هؤلاء النسوة اللاتي تتوجه إليهن هذه البرامج بهذه القوة من التهميش؟!
وما هي فحوى الرسالة الإعلامية التي يرغب المرسل في إيصالها إلى المتلقي؟ ومن ثم ما هو حجم النسبة من الشرائح المجتمعية التي تعرف حقائق وافية عن كثير من قضايا المرأة في مجتمعاتها؛ سواء كان ذلك في ما يتعلق بنظام العمل، أو قانون الخدمة المدنية، أو حقوقها الدستورية ودورها في الحياة العامة، أو عن دور المرأة في التشريعات والحياة السياسية، أو حقيقة دورها في مؤسسات المجتمع المدني على مختلف المستويات؛
سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو عن دورها في قضايا الثقافة والإعلام، وأدوارها القيادية المفقودة في هذا الجانب رغم ريادتها فيه؟ من جهة أخرى فإن السؤال ذاته يطرح نفسه.. عن مدى معرفة عموم الشرائح المجتمعية عن انتهاكات حقوق المرأة في العراق منذ احتلاله وحتى الساعة،
وكم هن اللواتي مورست عليهن أساليب لا إنسانية وغير أخلاقية؟ إن مسالة اغتصاب النساء قد أصبحت جريمة كالحروب، وكم هم الذين يعرفون حجم العنف الموجه ضد المرأة وما هي أشكاله؟ كذلك ماذا نعرف عن اثر النزاعات المسلحة على النساء، وكم منا الذين يعرفون عن اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة الذي اعتمد بموجبه قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة،
وبالتالي ما هو الدور الذي قامت به وسائلنا الإعلامية لتناول هذه الثقافة، وتفعيلها وتعميمها على شرائح المجتمع؟! هذه بعض من أسئلة كثيرة لم تجتهد أي من أجهزتنا الإعلامية في التصدي للرد عليها، رغم كثرة برامجها التي تزعم اهتماما نوعيا متجددا بقضايا المرأة؛ يستثنى من ذلك برنامج للنساء فقط على مستوى القنوات الفضائية، والذي تبثه قناة الجزيرة.
فاطمة محمد الهديدي