لم يلق كاتب مسرحي في سوريا من الاهتمام وتركيز الأضواء عليه مثلما لقي سعد الله ونوس، وحتى أبو خليل القباني الدمشقي رائد المسرح العربي لم يحظ بمثل هذا الاهتمام، ويجيء كتاب الباحث محمد عزام «مسرح سعد الله ونوس بين التوظيف التراثي والتجريب الحداثي» بقعة ضوء بالغة الأهمية على أعمال ونوس المسرحية وذلك انطلاقاً من إيمان المؤلف بموقع ونوس في المسرح السوري.

يقول في مقدمة الكتاب:«وقد أعطى حياته كلها للمسرح، ممثلاً، ومخرجاً، وكاتباً مسرحياً، ومنظِّراً للمسرح، ووضع خمس عشرة مسرحية وكتابين في نظرية المسرح خلال أربعين عاماً من حياته الثقافية» وهو ينعى على النقاد والدارسين إحجامهم عن تأليف كتب عن هذا الكاتب المسرحي فليس سوى كتاب واحد بالإضافة إلى هذا الكتاب، ويعيد السبب إلى أن الكاتب تجاوز الخطوط الحمراء التي لاتسمح الأنظمة بتجاوزها.

وفي الحقيقة إن أغلب التأليف في المسرح السوري كان في تاريخ المسرح السوري أما التأليف في السير الموضوعية للكتاب المسرحيين السوريين وتناول مناهجهم وأعمالهم فقليل، وأوفرهم حظاً في ذلك علي عقلة عرسان وسعد الله ونوس وعدنان مردم، ومنذ أربع سنوات صدر عن مهرجان الأغنية السورية كتابين عن أبي خليل القباني، وهذا يعني أن الراحل ونوس كان الأوفر حظاً في التأليف عنه.

يبدأ الكتاب بفهرسة زمنية لحياة وأعمال ونوس نقرأ فيها دراسته الأولى في طرطوس ثم حصوله على منحة دراسية حكومية لدراسة الصحافة في مصر، ثم عمله في وزارة الثقافة واستلامه عدة أعمال، وتحرير عدة أقسام ومجلات ثقافية حكومية: البعث، أسامة، المعرفة. مديرية المسارح والموسيقى . وإيفاده مرتين إلى فرنسا للاطلاع على الحياة الثقافية فيها. وترشيحه رسمياً لجائزة سلطان العويس وحصوله عليها، وهو خلال ذلك يكتب المسرحيات القصيرة والطويلة ويترجم بعض النصوص ويصدر البيانات المسرحية.

ويقسم المؤلف المراحل الفنية التي مرّ بها الكاتب إلى أربع جاعلاً من حرب يونيو مفصلاً رئيساً في حياته، ومن مرحلة الصمت والانقطاع عن الكتابة بين عامي ( 1979-1989) فترة كمون للانطلاق نحو مرحلة الإبداع الأخيرة حيث استفحل فيه المرض. ويطلق على المرحلة الأولى صفة المرحلة الذهنية (1963-1966) وفيها كتب عدة مسرحيات قصيرة: مأساة بائع الدبس الفقير. الرسول المجهول. جثة على الرصيف. الجراد. المقهى الزجاجي. لعبة الدبابيس. فصد الدم.

عندما يلعب الرجال. ميدوزا. وهو يرى أنها مسرحيات عمومية تميل إلى التجريد والترميز واللغة الشاعرية مع تأثر بالأفكار الوجودية.يعمل عزام باستمرار على ربط مجريات حياة الكاتب بتحولاته الفنية فهو يشير مثلاً إلى تحول ونوس إلى استلهام التراث لتجسيد الصراع ما بين الأنظمة القمعية والشعب واستفادته من الأشكال المسرحية الحديثة في أوروبا كمسرح بريخت وبيرانديللو وبيتر فايس كان يعود إلى حياته في فرنسا و نصيحة المخرج الفرنسي جان ماري سيرو بأن يبحث المسرحي العربي.

كما أنه يربط ما أحدثته في نفسه ومعاييره الفنية التحولات الكبرى التي شهدها العالم من انهيار المنظومة الاشتراكية، واشتعال بؤر التوتر في العالم وسقوط الأوهام المتعلقة بالنضال والبطولات والشعب والشهداء والأحزاب. وهذه الانقلابات جميعاً الفكرية والاجتماعية والسياسية أحدثت في نفس الكاتب انقلاباً فنياً فصار يكتب بغزارة بمعدل مسرحيتين في السنة،

وكأنه أيضاً أحس بدبيب الموت يسري في أوصاله، كما حررته من تبني الأشكال والتقنيات المسرحية المألوفة والحديثة غير المألوفة فأصبح القالب السردي الروائي هو الطاغي، وهذه الحرية التي منحها لنفسه بامتياز ليصبح النص لديه مجرد وعاء لأفكاره، ، وهكذا توالت سراعاً مسرحياته: منمنمات تاريخية 1993، يوم من زماننا 1933، طقوس الإشارات والتحولات 1994، أحلام شقية 1994، ملحمة السراب 1995.

يقسم المؤلف كتابه إلى أربعة أبواب مستوفياً فيها الاتجاهات المسرحية التي ارتادها ونوس في نصوصه المسرحية وبياناته وهي : المسرح الذهني، وتوظيف التراث، والتجريب، والملحمية البريختية، والمسرح داخل المسرح، والمسرح التسجيلي، وهو في كل باب ـ عدا باب المسرح الذهني- يضع مقدمة وافية تعرّف بتاريخ وأعلام هذا الاتجاه قبل الولوج إلى استفادة ونوس منه في نصوصه.

في المسرح الذهني يتناول تسع مسرحيات للكاتب مؤكداً أنه برغم الأفكار الوجودية والعبيثية في خلفية فكر الكاتب فإن المضامين الاجتماعية والالتزام بقضايا المجتمع كانت واضحة في هذه النصوص.في الباب الذي يتناول فيه المؤلف مسرحيات ونوس التي يستلهم موضوعاتها من التراث العربي وهي : الفيل ياملك الزمان، مغامرة رأس المملوك جابر، الملك هو الملك، سهرة مع أبي خليل القباني، منمنمات تاريخية..

في هذا الباب يتحدث المؤلف عن الأسباب التي دفعت المسرحي العربي إلى العودة إلى التراث واستلهامه، ومنها إحساسه بغنى هذا التراث غير المكتشف بالمضامين والأشكال المسرحية التي تمنحه طاقة تعبيرية جديدة. وفي حديثه عن مرحلة البحث عن مضمون تراثي للمسرح يأتي على ذكر كثير من الأسماء التي تناولت التراث الأدبي والتاريخي والشعبي كمادة ومنطلق في عملية الإبداع المسرحي،

ومن الغريب أنه يورد أسماء عديد من الكتاب المصريين والمغاربة في هذا المجال ثم لا يأتي على ذكر الكتاب المسرحيين السوريين الذين عملوا على التراث العربي أو اليوناني وهم كثر بل إن لهم الريادة في هذا المجال بدءاً من أبي خليل القباني وإبراهيم الأحدب وآخرين جاؤوا من بعد ومنهم على سبيل المثال خليل هنداوي، عمر أبو ريشة، بدر الدين الحامد، عبد الرحمن أبو قوس، معروف الأرناؤوط، داود قسطنطين الخوري، مراد السباعي وانتهاء بالكتاب المعاصرين أمثال ممدوح عدوان ، عبد الفتاح قلعه جي، وليد فاضل، حمدي موصلي، محيي الدين البرادعي وغيرهم،

أما الاسم السوري الوحيد الذي يذكره فهو «جميل مردم» في مسرحية «الحلاج» والصحيح أن اسمه «عدنان مردم» أما جميل فهو رجل سياسة فحسب. و البحث هكذا يوحي بأن ونوس هو وحده المسرحي السوري الذي استلهم التراث في المسرح، وربما يعود ذلك إلى عدم اطلاع المؤلف وهو سوري على النتاج المسرحي السوري سوى نتاج ونوس، وأنه اعتمد في بحثه هذا على أوراق ثقافية متوفرة عن المسرحين المصري والمغاربي.

أفرد المؤلف بابا خاصاً عن التجريب والمسرح التجريبي عند ونوس، ورأى أن هذا الاتجاه لديه كان نتيجة المثاقفة التي حققها الكاتب وهو موفد إلى فرنسا، والتقائه بمسرحيين هناك وإجراء حوارات معهم ومنهم: جان لوي بارو مدير مسرح الطقوس، وجان ماري سيرو وإيميه سيزر، وكاتب ياسين، وجوليان بيك مدير المسرح الحي، وجان جينيه حيث نقل جانباً هاماً ومثيرا من الحوار الذي جرى بينهما، وفيه يقول جينيه إن حضارة الغرب تمت وانتهت، وهي الآن في طور الاحتضار،

وينصح محاوره قائلاً: «عليكم أن ترفضوا هذا الغرب، وأن تبدعوا أنفسكم بأنفسكم.. للأسف أنتم موشومون بالثقافة الغربية، وأنتم تشكلون أنفسكم وفقاً للنموذج الأوربي، وهذا يعني أن الغرب اصطادكم في فخه الماكر».وفي هذا الباب يفرد فصلاً خاصاً في المسرح الملحمي، والمراحل التي مر بها بريخت، وأثره في المسرح العربي، متتبعاً ذلك في مسرحيات ليلى والمجنون لصلاح عبد الصبور ولكع بن لكع لأميل حبيبي، وفرحان بلبل في العيون ذات الاتساع الضيق، وألفرد فرج في النار والزيتون،

وهكذا إلى أن ينتهي إلى مسرحيات سعد الله ونوس: الفيل يا ملك الزمان، الملك هو الملك، سهرة مع أبي خليل القباني، وفيها يتصدى المؤلف للذين عابوا على ونوس اعداده واقتباسه لمسرحيات معروفة قائلين: «إن المؤلفين الحقيقيين لعدد من مسرحياته كانوا سيقاضونه في المحاكم لو كانوا على قيد الحياة» يرد عليهم المؤلف بقوله: «إن فعالية المسرح تضعف وتضمحل إذا لم يعرف كيف يحاور زمنه وبيئته أي إذا لم يكن راهناً، وإن الإبداعات المتغيرة للنص الواحد لا يفسرها إلا طموح المسرحي لأن يكون عمله راهناً».

في الباب الرابع الذي أفرده المؤلف للحديث عن المسرح السياسي يبدأ بقول ونوس «ما من أدب غير سياسي» ويتحدث عن نشأة المسرح السياسي الأوربي علي يد بيسكاتور وبريخت ثم يتحدث عن المسرح السياسي العربي، ويرى أنه بدأ مع يعقوب صنوع في سبعينات القرن التاسع عشر حين تصدى بالنقد للسلطات الحاكمة في مصر. ثم يتحدث عن المسرح المسيس في بيانات ونوس ومسرحياته وهي الاغتصاب، يوم من زماننا، طقوس الإشارات والتحولات، أحلام شقية، ملحمة السراب.

ويرى أن ونوس في جميع مراحله الإبداعية وحتى الذهنية منها كان يمارس السياسة في مسرحه، وأن مهمته كانت هي الشحن والتسييس وليس التفريغ، يقول: «وإذا كان ونوس يرغب من المسرح أن يقوم بمهمة الشحن والتسييس، وليس التفريغ، فإن مسرحياته كلها يمكن أن تكون شاهداً ومثالاً على مسرحه السياسي، بحيث يبدو الهم السياسي ـ الاجتماعي خطاً أحمر يخترق كتابات ونوس كلها».

أخيراً فإن هذا الكتاب بما تناوله من عرض لنصوص سعد الله ونوس وأفكاره، ومن محاولة لإظهار احتواء أعماله المسرحية على العديد من الاتجاهات المسرحية: الذهنية، العبث، التراث، التجريب، الارتجال، الملحمية، التسجيلية والوثائقية، التسييس.. يعتبر كتاباً هاماً في إلقاء الضوء على أعمال واحد من الكتاب السوريين المبدعين، وينطلق المؤلف في بحثه هذا من حبه لهذا الكاتب وإعجابه بجميع أعماله. ومما لاشك فيه أن ونوس لم يجترح اتجاهاً خاصاً أو جديداً في المسرح العربي، لكن أعماله تبقى مجال الاحترام والتقدير.

عبد الفتاح رواس قلعة جي