دشن مؤخراً حيز مخصص بكامله لتاريخ الفن وللتراث في وسط باريس، وفي مجمع مبان يعود إلى القرن التاسع عشر جرى ترميمه بشكل رائع هو غاليري كولبير، يقع مقابل مربع المباني التاريخية لمكتبة فرنسا الوطنية وبجوار باليه رويال، والكوميديا الفرنسية واللوفر.

يضم هذا المجمع الراقي الممتد على مساحة تبلغ 16 ألف م2 تمتد على طوابقه الخمسة التي أضاءتها مستديرة زجاجية: المعهد الوطني لتاريخ الفن والمعهد الوطني للتراث، لإعداد الراغبين في دراسة حفظ التراث وترميمه. ينحو هذا التقارب الجغرافي إلى إقامة معابر بين عالم البحوث وعالم الحفظ، بين عالم المتاحف وعالم الجامعة.

وقبل التدشين الرسمي للغاليري الذي وضع تحت وصاية وزارة التربية الوطنية ووزارة الثقافة والاتصالات، كان الطلبة والباحثون والمدرسون والموثقون منخرطين في نشاط جاد ويعملون في القاعات المجهزة بالتكنولوجيا أو يستقون من حوالي 400 ألف مرجع وضعت تحت تصرفهم في المكتبة العامة.

شيد الغاليري عام 1826، وعانى من منافسة معبر آخر مجاور له هو غاليري فيفيان التي حوت منذ البداية محلات الموضة والعطور وصالات المطالعة ودور نشر الكتب والموسيقى. وهجر في نهاية القرن التاسع عشر وتم تهديم المستديرة عام 1910، لكن المبنى ظل قائماً بفضل بروز اهتمام بمعمارية القرن التاسع عشر وأدى إلى تسجيله على قائمة المباني التاريخية عام 1974 وتملكته المكتبة الوطنية لإيداع احتياطها من المؤلفات.

ونظمت حملة أولى لترميمه تبعها إعادة تنظيم عامة لمعماريته، سمحت هذه الأخيرة بوضع المعهدين فيه. تأسس المعهد الوطني لتاريخ الفنون عام 2001 بعد أكثر من عشرين عاماً من الاستشارات بين السلطات العامة والهيئات العلمية، وهو اليوم مؤسسة حكومية ذات طابع علمي وثقافي ومهني، ومعهد تكوين وأبحاث يضم مجموعة كبيرة من الشركاء الجامعيين ومراكز البحوث المتخصصة وجمعيات العلماء.

يقوم بتشجيع التبادل بين مختلف الوحدات المكرسة لتاريخ الفنون ويساهم في إعداد الأدوات الجماعية الضرورية للبحوث وللمساعدة على النشر «عبر موقعه على الإنترنت» وتقويم الأعمال «عبر نشر الأطروحات». تشمل حقول الدراسة فيه تاريخ علوم الآثار والهندسة المعمارية والذوق. كما تاريخ الفنون. ومحفوظات الفنون في الفترة المعاصرة والصلات بين الفنون الجميلة والموسيقى، والمسرح والسينما كما موضوعة ما بعد الاستعمار والعولمة.

يعتبر إنشاء مكتبة كبيرة لتاريخ الفن والهندسة المعمارية الحدث المهم في المعهد الوطني لتاريخ الفنون، وتحوي مؤلفات خاصة تضم حوالي مليون وأربعمئة ألف وثيقة بينها 250 ألفاً ستوضع في الفترة الأولى في متناول الباحثين. هذا المشروع هو مدعاة سرور لمن أنشأ هذا المبنى لتاريخ الفنون أي الخياط والمحسن جاك دوسي «1853 ـ 1929»، أحد هواة الاقتناء وإنسان سخي وهب محتويات مكتبته الفنية ومجموعته لجامعة باريس. تضيء اليوم النقوش والليتوغرافيا والصور والملصقات، جدران غاليري كولبير.

يضاف في المستقبل القريب إلى هذه المجموعات، كنوز المكتبة المركزية للمتاحف الوطنية التي تحوي أغنى مجموعة كتالوجات متاحف ومؤلفات متخصصة، كما مكتبة المدرسة الوطنية للفنون الجميلة، وفيما بعد، مكتبة المدرسة الوطنية للصكوك. وستوضع كل هذه المجموعات في مبنى ريشليو الرباعي الذي يضم المجموعات المتخصصة لمكتبة فرنسا الوطنية من «مخطوطات، ونقود، وميداليات، وبطاقات قديمة وخرائط ونقوش وصور وفنون استعراضية».

المعهد الوطني للتراث هو حيز لتكوين أمناء التراث والمرممين من ذوي المستوى المرتفع، استقر الأمناء في غاليري كولبير والمرممون في موقع خاص في سان دني. يتم دخول قسم الأمناء بعد النجاح في مباراة تنظم كل عام في مجالات التكوين العلمي والإداري وتستمر مدة 18 شهراً «يقبل عادة حوالي 30 طالباً من أصل 1000 مرشح»

وفي اختصاصات ستة هي: علم الآثار، المحفوظات، جرد الآثار، المباني التاريخية، المتاحف، التراث العلمي، التقنيات والأمور الطبيعية. يتابع المتمرنون في المعهد بعد إعداد علمي رفيع المستوى أبحاثهم الشخصية، ويشاركون في دورات تدريبية في فرنسا وفي الخارج كما يستقبلون في باريس متدربين من خارج فرنسا.

باريس ـ خاص