تستخلص أوروبا تجاربها من القراءة، وتقيس عليها، وتصدر عنواناً عريضاً تحت اسم (أهم ما قرأته أوروبا خلال الصيف)، من خلال نظام علمي متكامل لقياس أداء الإنتاج الطباعي وكمية القراءة وحجم المبيعات. وفي العمق لا تقف حدود (القراءة) في أوروبا عند تخوم اقتناء الكتب أو حفلات التوقيع، بل تمتد إلى ورش القراءات الجماعية والتحليل المنتشرة في الأحياء والمعاهد والجامعات.

وتخصص الملاحق الثقافية في كبريات الصحف، هناك حملات نقدية تصدر في وقت واحد تقريبا في معظم العواصم الأوروبية لتناول أبرز كتاب صدر هذا الأسبوع، وقد يصل لتناول أبرز كتاب في اليوم.. وهذا الرصد المتقن للإنتاج الثقافي من الكتب تقف وراءه تقاليد راسخة في فن صناعة الكتاب والترويج له ومتابعة أثره من (المطبعة) إلى (العقل).

ولا يختلف اثنان على أهمية القراءة للبشر، لكن الاختلاف يكمن في الطرق والأساليب الجديدة التي تتم بها القراءة ، فهناك مثلا مدارس تدرب على فن القراءة السريعة للكتب وللصحف أيضاً حيث يقوم (القارئ السريع) بالمرور على رؤوس المواضيع وبدايات الفقرات ويلخصها لاستنتاج مضمون النص، وهذا النوع مفيد أحياناً لمدعي المعرفة الذين يسمعونك في ساعة أسماء وعناوين كتب وملخصاتها وابرز ما فيها.. وأحياناً تفيد هذه الطريقة في إجراء البحوث السريعة المستهلكة.

القراءة الحقيقية، في جذرها، هي فعل إعادة إنتاج للمعرفة، (وليس إعادة تسميع)، ولاكتساب هذه المهارة، ذهبت أوروبا منذ قرون إلى تبني المدارس التحليلية، وبجلت مفاهيم التأويل والتفكيك إلى درجة ان النص النقدي أصبح يتفوق على النص الإبداعي ويتقدم عليه، وحققت أوروبا هذه المكانة بعد سنوات مضنية أعادت خلالها صيغ التعليم والتلقين والتلقي بداية من مراحل التعليم الأولى، وجعلتها متجددة باستمرار.

وتظل القراءة، فعل ابداع عند كثيرين، فالروائي اليوناني نيكوس كازنتزاكس مثلا كان يقرأ أربعة أو خمسة كتب دفعة واحدة ، وهناك صورة شهيرة له جالسا على طاولة الكتابة، وأمامه مجموعة من الكتب المفتوحة كلها من بينها قواميس قديمة وأخرى حديثة.

إحدى النظريات الحديثة ترى ان القراءة الحقيقية هي باختصار محو للنص الأصلي، ذلك ان القارئ بعد ان ينتهي من قراءة الكتاب لا يبقى منه شيئ، يختفي الكتاب الأصلي وتحل مكانه القراءة الجديدة له بكل الإضافات و(الحذف) التي اعتمدها القارئ.. اي ان النص يظل يتحول من قارئ إلى آخر في دورة معرفية لا نهائية. وبذلك تكون جميع أشكال القراءة أو التأويل أو التفكيك مفتوحة على التجدد والاستمرارية، بما يلغي تماما صفة الحسم وامتلاك الحقيقة لقارئ دون غيره ..