رغم كل المعوّقات والإشكالات التي تواجه انتشار وتداول الكتاب العربي اليوم، بدءاً من قوائم الممنوعات، مروراً بمنافسة الفضائيات وشبكة المعلومات، انتهاء بغلاء الأسعار وتراجع القارئ، رغم ذلك يظلّ معرض الكتاب أحد أهم التظاهرات الثقافية وأكثرها جماهيرية التي تشهدها العاصمة السورية دمشق.
فهذا المعرض الذي افتتح أبوابه للمرة الأولى عام 1985 بمشاركة اثنتين وعشرين دار نشر سورية فقط وعدد محدود من الأجنحة والعناوين (2438)، تحوّل في دوراته اللاحقة إلى معرض دولي تغصّ بأجنحته وزواره مكتبة الأسد كل عام، وقد انطلقت الدورة الحالية (الحادية والعشرون) في الرابع والعشرين من أغسطس وتختتم في الرابع من سبتمبر الجاري، بمشاركة 415 دار نشر،
مثّلت عشرين دولة عربية وأجنبية هي: مصر، لبنان، الأردن، السعودية، اليمن، المغرب، عُمان، الإمارات العربية المتحدة، الكويت، قطر، تونس، إيران، الولايات المتحدة الأميركية، اسبانيا، فرنسا، روسيا، ألمانيا، بلجيكا، بريطانيا، إضافة إلى البلد المضيف سوريا.
وشهدت يوميات المعرض عدداً من الفعاليات الثقافية الموازية، بدأت بأمسية الشاعر الكبير محمود درويش وتوقيع ديوانه الجديد «كزهر اللوز أو أبعد» الصادر عن دار الريس، تلتها محاضرة الدكتور أحمد البرقاوي حول المجتمع العربي بين التسامح والاختلاف، ثم محاضرة الدكتور عبد النبي اصطيف حول موقف الجيل العربي الجديد من عالم اليوم،
بعد ذلك عُقدت ندوة «الجيل العربي بين نداء التراث وجاذبية الحداثة» للدكتور موفق دعبول، ومن ثم أمسية الشاعرين شوقي بغدادي ونذير العظمة، وكانت خاتمة الفعاليات مع ندوة «الانعكاسات الاقتصادية والاهتمامات الثقافية المشتركة بين ألمانيا وسوريا» بمشاركة: مارتينا بارت، كمال أبو شعر، دبيتر غيفرتس ومحمد عدنان سالم.
ساحات مكتبة الأسد الواسعة ضمت إليها 221 جناحاً، توزّع على رفوفها 29400 عنوان من العناوين التراثية والمعاصرة ومن المؤلفات والترجمات، وشملت العناوين مختلف صنوف الآداب والعلوم والبحوث والدراسات النقدية، واستثنت «كل كتاب يتضمن المساس بشخص، وكل كتاب غير ثقافي أو علمي» كما صرّح مدير المعرض السيد علي العائدي،
وقد غطت كتب الدين والتراث والأطفال والمعلوماتية نصف مساحة العناوين تقريبا، لكن الملاحظ في هذه الدورة هو التوجه نحو إلزام دور النشر بعرض إصداراتها الحديثة العهد، حيث شكّلت الكتب الصادرة ما بين الأعوام 2001 و2005 نسبة 70% تقريبا من مجمل الكتب المعروضة، وهي ظاهرة جديدة من ظواهر المعرض.
ممرات الأجنحة اكتظت بجموع كبيرة من الزوار تحديدا في المساء، ضمّت المثقف والبسيط، الغني والفقير، الكبار والأطفال، بعضهم جاء يبحث عن كتابه المفضل أو يستطلع آخر الإصدارات، وبعضهم جاء فقط من باب الفضول وقتل الفراغ، وبين الجموع صادفنا الكاتب خالد خليفة وكان يحمل عددا من الروايات المترجمة، والتقينا الروائية سمر يزبك وقد اشترت آخر أعمال سليم بركات، وكانت تبحث عن معجم لسان العرب، أيضا التقينا الزميل الشاعر أحمد تيناوي والزميلة رواد إبراهيم وهما يبحثان عن عناوين في النقد الأدبي،
وحسب دور الريس والفكر والمدى والحوار كانت نسبة المبيعات جيدة في اليوم الرابع من أيام المعرض. الممرات المكتظة تفضي إلى مقهيين، وكثيرا ما يتجه الزائر إلى احدهما بعدما ينهي جولته، للاستمتاع بالهواء العليل مساء حيث أنوار قاسيون وصوت فيروز يملأ الفضاء بالحنين، وديوان محمود درويش على أكثر من طاولة وفي أكثر من يد.
دمشق ـ تهامة الجندي