«يعيش سباق فرنسا». بهذه العبارة والى جانب اولاده الثلاثة المرتدين القمصان الصفراء وصديقته المغنية شيريل كراو الدامعة، أقفل الدراج الاميركي لانس ارمسترونغ الباب على مسيرته الذهبية على جادة الشانزيليزيه في العاصمة باريس بتعزيز رقمه القياسي والفوز للمرة السابعة على التوالي في دورة فرنسا للدراجات الهوائية اول من امس.

وتلقى ارمسترونغ اتصال تهنئة من الرئيس الاميركي جورج بوش فور تتويجه لكنه لن يستطيع احراز لقب ثامن على التوالي بعدما اعلن سابقا عن اعتزاله الرياضة، ليدخل نادي الرياضيين الاميركيين العظماء الذين تأثر بهم كتايغر وودز (غولف) ومايكل جوردان (سلة) واندريه اغاسي (مضرب) وواين غريتسكي (هوكي).

وكان ارمسترونغ (33 عاما) أحرز العام الماضي لقب دورة فرنسا للمرة السادسة وكسر الرقم القياسي لعدد الانتصارات المسجل باسم الاسباني ميغيل اندورين (1991-1995) والفرنسي جاك انكوتيل (1957 و1961-1964) والبلجيكي ايدي ميركس (1969-1972 و1974) والفرنسي برنار اينو (1978-1979 و1981-1982 و1985).

وتشرب لانس عشق الرياضة من والدته ليندا مونيهام حيث كان الولد الانشط في مسقط رأسه في ضاحية بلانو الواقعة شمال مدينة دالاس - تكساس، فأحرز ترياتلون الاطفال الحديدي بعمر 13 عاما، قبل ان يحترف رياضة الترياتلون (سباحة وعدو ودراجات) بعد ثلاث سنوات، لكنه سرعان ما تخلى عن السباحة والركض لمصلحة الدراجات الهوائية حيث كان يردد «ولدت لأسابق على الدراجة».

وفضل ارمسترونغ احتراف الرياضة على اكمال دراسته بموافقة والدته اهم انسان في حياته انذاك بعدما هجر والده ايدي غوندرسون العائلة وهو بعمر السنتين، ليحصل على شهرته الجديدة بعد زواج والدته بتيري ارمسترونغ في السنة التالية.

ويدين لانس كثيرا لوالدته التي لولاها لكان اعتزل الرياضة بعد اولمبياد برشلونة 1992 لنتائجه المتواضعة، ومن المفارقات انه رفض دعوة ملك النروج اثر فوزه ببطولة العالم لعدم تضمن الدعوة اسم والدته وهو ما تم تصحيحه بعد دقائق قليلة.

وكان رده خارقا في الموسم التالي باحرازه عشرة القاب بينها بطولة الولايات المتحدة واحدى مراحل دورة فرنسا، واصبح اصغر دراج يفوز ببطولة العالم ليساهم بحلول اول فريق اميركي هو موتورولا بين اول خمسة فرق في العالم.

ويسابق لانس ثمانية اشهر في السنة على المسارات الاوروبية، قبل انتقاله لتمضية عطلته في مقره في اوستن - تكساس بعيدا عن الضجيج حيث يمارس هواية التزلج على الماء.

وأصبح ارمسترونغ من الميسورين لتخطي جوائزه حاجز المليون دولار اميركي عام 1993، حيث بدأ يسير على خطى مواطنه العملاق غريغ لوموند الفائز ثلاث مرات بدورة فرنسا.

واستهل لانس موسم 1996 كالدراج الاقوى في العالم، بمحافظته على لقب «تور دو بون» وهو انجاز غير مسبوق، كما اصبح اول اميركي يحرز سباق «فليش والون» البلجيكي قبل مشاركته مع المنتخب الاميركي في اولمبياد اتلانتا.

ووقع لانس بعدها عقدا مغريا لمدة سنتين مع فريق «كوفيديس» الفرنسي بمبلغ مليوني دولار، ثم انتقل الى منزل ملوكي صمم على الطريقة المتوسطية في اوستن، استغرق بناؤه سنتين وأطلق عليه اسم «كازا ليندا» تكريما لوالدته.

وصعق المجتمع الرياضي عندما أجبر «ولد اميركا الذهبي» على الابتعاد عن دراجته بسبب الام موجعة في رأسه وأربيته في اكتوبر 1996 سببه سرطان في خصيته لم يكتشف باكرا فامتد الى رئتيه ودماغه.

وخضع البطل اليافع (25 عاما) لجراحتين في الاسابيع التالية، واحدة لاستئصال خصيته الخبيثة وثانية هي الاصعب لازالة الورم عن دماغه، قبل علاجه الكيميائي المتطور والقاسي الذي أبقى على عمل رئتيه الطبيعي لكنه ترك ضررا دائما باحدى كليتيه وحروقا ظاهرة في جسمه.

ومع اقتراب نهاية رحلة الموت عاد لانس بعد خمسة اشهر من العلاج الى التمارين، ورغم وهنه الجسدي والعاطفي الا انه صمد معنويا وردد «ان تعرضي للسرطان هو أفضل ما حدث لي في حياتي» نظرا لحالة التأمل والنضوج التي حصلت له خلال فترة العلاج فباشر في تأسيس مؤسسة لانس ارمسترونغ لمكافحة مرض السرطان.

ويدين ارمسترونغ بالفضل لشفائه العجائبي الى اطباء مستشفى انديانا الجامعي الذين حاربوا سرطانه بشراسة بعدما أعطاه احدهم نسبة 3% لشفائه، ومن الغرائب التي رافقت حياة ارمسترونغ ان عدد دقات قلبه يبلغ 32 فقط في الدقيقة عند استراحته و200 خلال مراحل السباق.

وكان شهر مايو 1998 حافلا بالمفاجآت السارة لارمسترونغ اذ عاد لممارسة محبوبته في تكساس بمساعدة صديقه ومدربه كريس كارمايكل، واقترن بحبيبته كريستين ريتشارد بين اهله واصدقائه في سانتا باربارا (ولاية كاليفورنيا).

ورغم عودته القوية الا ان كثرا لم يؤمنوا باسترجاع ارمسترونغ لفورمته السابقة وبينهم فريقه كوفيديس الذي انهى عقده بعد اصابته بالسرطان، وهو ما شبهه البعض باسوأ رهان في تاريخ الرياضة لانجازاته اللاحقة، لكنه ما لبث ان انضم الى فريق «يو.أس. بوستال سرفيس» فحقق بعد فترة من التردد نتائج جيدة في لوكسمبورغ والمانيا و«فويلتا» اسبانيا.

وتحولت دورة فرنسا منذ عام 1999 لتصبح دورة لانس ارمسترونغ فلازمه القميص الاصفر (يعطى لمتصدر السباق) طوال المراحل الفرنسية نظرا للتمارين المكثفة التي كان يجريها منذ بداية كل موسم.

وتساءل المراقبون عما اذا كان بمقدور ارمسترونغ تكرار الفوز في فرنسا عام 2000 بمواجهة الالماني يان اولريخ بطل عام 1997 والايطالي ماركو بانتاني بطل عام 1998 الغائبين عن نسخة 1999، لكن ابن تكساس انتزع الفوز بجدارة.

وتلقى لانس ضربة جديدة في تلك السنة باصابته في كسر في ظهره عندما صدمته سيارة في نيس (جنوب فرنسا) اثناء تمارينه لاولمبياد سيدني، لكنه تعافى بسرعة وساهم بتحقيق بلاده الميدالية البرونزية الى جانب زميليه جورج هينكابي وتايلر هاميلتون.

وأحرز لانس سباقه الثالث على التوالي في فرنسا بسهولة عام 2001، في السنة التي أنجبت زوجته توأمين هما غريس اليزابيت وايزابيل روز عبر اللقاح الاصطناعي بعد ولادة بكره لوك عام 1999.

وتطلق ارمسترونغ من كريستين ريتشارد عام 2003 في نفس السنة التي تعرف بها الى صديقته الجديدة مغنية الروك شيريل كراو، ثم تفرغ الى دورة فرنسا اهم سباق للدراجات الهوائية في العالم التي تمتد على ثلاثة اسابيع فأحرزها اعوام 2002 و2003 بفارق دقيقة فقط عن اولريخ و2004 قبل احرازه لقب هذه السنة مع فريق «ديسكافري تشانل» متقدما على الايطالي ايفان باسو والالماني يان اولريخ.

وعلى الرغم من تفوقه التكتيكي الواضح واستعماله لسرعات مختلفة عن منافسيه داخل المراحل والاحترام الذي يظهره له باقي الدراجين، الا ان البعض يعتبره متعجرفا نظرا لتصريحاته الجارحة والصريحة ما سبب بكره مجموعة كبيرة من الصحافيين الفرنسيين له.

ولم تخل المرحلة الاخيرة في سباق السنة من اتهامات بعض الجماهير لارمسترونغ بتعاطيه المنشطات لكن البطل الاميركي طالما رد بانه خضع لمئات الفحوصات كانت دائما نتائجها سلبية.ويلعب ارمسترونغ دورا هاما في مجتمع الطبقة الراقية نظرا لمساهماته لمكافحة السرطان ويتمتع بصداقة وطيدة مع الممثل الكوميدي روبن ويليامز.

ولم يخف ارمسترونغ نيته في الترشح مستقبلا لمنصب حاكم ولاية تكساس الى جانب الديمقراطيين وهو وقف سابقا ضد الحرب على العراق، وأعرب جون كيري المرشح السابق لمنصب رئيس الولايات المتحدة والذي حضر المرحلة الاخيرة من سباق فرنسا ان ارمسترونغ يشكل مشروعا سياسيا ناجحا للمستقبل اذا درس خطواته جيدا.فهل سيكون لانس ارمسترونغ ارنولد شفارزينيغر جديد؟ الجواب برسم المستقبل.