أهم ما تنجزه جائزة محمد تيمور للإبداع كل عام هو الإفراج عن مواهب المؤلفين المسرحيين الشباب، الذين يمنون أنفسهم بالصبر الجميل سنوات طويلة حتى ترى أفكارهم وأحلامهم النور بدلاً من الانضمام إلى طوابير الفنانين المنتظرين التي لم ولن تنتهي.
وقد فاز المؤلف محمد ناصف بجائزة هذا العام عن نصه المسرحي «طلوع النهار أول الليل».
وكالعادة تبنى مسرح الهناجر هذه التجربة وأعلن عن الجائزة وقدم لها فرصة إضافية أيضاً ليتحول هذا النص إلى عرض مسرحي من إخراج أسامة فوزي. يعتمد النسيج الدرامي لهذا العرض على رؤية تشريحية تاريخية لا تلتقي بالزمن الماضي فقط، بل تمتد في إحالاتها إلى الزمن الحاض.
وترمي شباكها على المستقبل تستشرفه وتحلله من خلال معطيات لا تتكرر بمنطق النسخ الكربوني، لكنها تعتمد على التشابه في المقدمات الذي يؤدى بدوره إلى التشابه في النتائج.
من هنا يبرز وعي المؤلف بالبحث عن لحظة ما داخل تاريخنا العربي الواسع جداً، للتماس بصورة مباشرة دون مواربة مع واقع الاحتلال الأميركي للعراق. والأهم من ذلك أن العرض لم يتوجه إلى تسجيل لحظة الاحتلال في حد ذاتها، بل إنه حاول تحليل الأسباب والفترة الزمنية التي سبقت الاحتلال مباشرة، مما أدى إلى الفوضى والاضمحلال والانهيار الداخلي لتتهيأ الساحة تماماً لاستقبال أصابع الطامعين من كل جانب.
والقضية دائماً هي الفساد.. الذي أدى بابن المعتز (ناصر سيف) حاكم بغداد القديم للوقوف على منبر تداعى الذكريات الذي ركزه المخرج في الركن الأيمن لخشبة المسرح باستمرار، ويستعرض كيف تولى المسؤولية ذات يوم وأهملها وتفرغ للهو والعبث وتعيين كل من لا يستحق في مناصب مهمة، ثم كيف تم إسقاطه من فوق عرشه بمؤامرة جماعية اشترك فيها كل من رفعه هو على رقاب الشعب مثل ابن الفرات (محسن منصور) وأبو الشوارب (محمود زكى) وعمورية (رامي الطنباري).
والهدف كان إسقاطه ليتولى الطفل المقتدر (كريم الحسيني) الحكم ويستشرى الفساد في كل مكان بمعاونة المرأة الخبيثة ظلوم (منال زكى) التي تدير كل شيء لصالحها وتعبئة جيوبها الفضفاضة؛ وما أكثر خيرات بغداد، وأثناء عملية لضم خيوط الماضي مع الحاضر التي يقوم بها ابن المعتز باستخدام الإخبار السردي وبالتجسيد المشهدي، يتبادل معه المؤرخ العربي الكبير الطبري (أشرف عبد الغفور) الدور في فتح أبواب التاريخ .
وتفسير ما حدث من واقع خبراته في محاولة قراءة المستقبل، سواء القريب جداً مما شاهده ابن المعز بالفعل أو البعيد الذي نعيشه الآن أو البعيد جداً الذي ستعيشه الأجيال القادمة إذا ظل الحال على ما هو عليه.
وقد استحلف ابن المعتز الطبري مراراً أن يذكره كحاكم لبغداد ولو في سطر واحد من كتبه، لكن المؤرخ الحزين المهموم يرى أن هذا الحاكم لا يستحق الذكر إلا كشاعر موهوب أحب ذات يوم خزامى (إيناس نور) حباً صادقاً وتحالفت ضدهما كل القوى حتى بعدما ثاب إلى رشده وسقطت أقنعة أعدائه وأحس بمعاناة شعبه؛ وإذا كان الجالسون على مقاعد الحكم والشرطة والقضاء فاسدين فعلى الشعب ألف سلام.
حرص المخرج على تأكيد الارتباط الوثيق بالحاضر والمستقبل من خلال تصميم ملابس وإكسسوارات عصرية للأبطال، لكن هذا العرض الجاد تنقصه ثلاثة أركان مهمة.. أولاً جنوح ديكور وملابس المصمم ربيع عبد الكريم إلى الاستاتيكية والقتامة رغم اجتهاده وتقسيمه خشبة المسرح ثلاث درجات.
مما يتيح ثلاثة مستويات من الإرسال والتلقي، ثانياً تصميم المخرج «ميزانسين» تقليدي جداً وحبسه الشخصيات خاصة في اللحظات المؤثرة داخل المساحة الخلفية المنعزلة رغم أهمية التواصل مع الجمهور، واستخدامه دلالات ضوئية أدت أحياناً لإحالات عكسية لمفهوم وتركيبة الشخصية.
وأخيراً جاء أداء الممثلين جاداً مجتهداً قدر الإمكان، لكنه اجتهاد الموظف الحكومي الذي يحفظ دوره فقط ولا يكلف خاطره بالتفكير والإبداع والعثور على حلول في الفهم والتناول والأداء؛ وهو ما أثمر في النهاية ارتفاع قامة النص على قامة العرض وهذه مشكلة حقيقية.