لا أشك لحظة واحدة في أن منطق وفلسفة الإدارة داخل اتحاد الكرة يبدأ وينتهي من فكرة استقرار الأجهزة الفنية برغم العواصف التي قد تهبّ بين لحظة وأخرى وتهدد وتنسف الفكرة سواء بإرادة الاتحاد أو رغماً عن إرادته.لكن المؤتمر الصحافي الذي عقده خالد بن فارس رئيس اللجنة الفنية صباح أمس ممثلاً للاتحاد، وحضره عبيد مبارك سكرتير اللجنة.
وشهد عليه محمد الكعبي مدير الاتحاد، وتابعه حشد من الصحافيين والإعلاميين لكشف هوية وتفاصيل التعاقد مع المدرب الجديد للمنتخب، الهولندي أدفوكات، لم يأت مؤكداً على فكرة الاستقرار.وإذا كان الاستقرار يعني ـ في أحد جوانبه ـ ضمان بقاء المدير الفني الجديد للمنتخب لفترة طويلة تمكنه من تنفيذ وتطبيق واستدعاء أفكاره وخططه وخبراته، فإن مدة التعاقد معه التي أعلنها رئيس اللجنة الفنية خلال المؤتمر هي عام واحد فقط، ينتهي بحلول شهر يوليو 2006.
أي قبل انطلاقة كأس الخليج الثامنة عشرة التي تستضيفها الإمارات بنحو خمسة أشهر تقريباً، وهي مدة لا تكفي مطلقاً لأي مدير فني جديد يتولى المهمة إذا ما حدث ـ لا قدر الله ـ ولم يتم تجديد التعاقد لسبب أو لآخر.. وهي مدة أشبه بالمقامرة بمستقبل بطولة يسعى مستضيفها إلى الفوز بها أو على الأقل المنافسة القوية عليها كما سبق وأعلن رئيس الاتحاد من قبل.
لم يقدم خالد بن فارس خلال المؤتمر أية ضمانات «تعاقدية» تجعل المدرب الجديد أدفوكات يفكر ألف مرة قبل أن يقرر فسخ تعاقده (مثلاً) ولم يقدم كذلك بن فارس أية ضمانات فنية تجعل رحيل المدرب ـ بإرادة ومزاج الاتحاد ـ لا يؤثر على الاستعدادات والتجهيزات الفنية للمنتخب الوطني المقبل على استحقاقات مهمة مثل كأس الخليج.
صحيح أن رئيس اللجنة الفنية أكد خلال المؤتمر أن عملية اختيار المدرب تمت من خلال لجنة ثلاثية رأسها يوسف السركال نفسه، وأنها عقدت اجتماعات عدة مع العديد من المدربين، انتهت جميعها إلى حصر عملية الاختيار على الهولندي أدفوكات، والسلوفيني كاكانيتش، وصحيح أن عملية الاختيار تمت بناء على السجل والتاريخ الحافل لأدفوكات، كما أكد خالد بن فارس، وكذلك لطول خبرته التدريبية مقارنة بكاتانيتش. صحيح كل ذلك.
إلا أن الأمر في النهاية أشبه بعملية رمي الشباك في بحر متلاطم الأمواج، وليس أدلّ على ذلك، سوى إعلان خالد بن فارس في معرض رده على سؤال للزميلة «الاتحاد» حول ضمانات عدم هروب المدرب، إن الاتفاق الذي تم بينه وبين الاتحاد اتفاق «جنتلمان»!! وإذا كان رئيس اللجنة الفنية يعكس ويعبر عن «ثقافة» عربية جميلة، محورها الثقة وكلمة «شرف الرجال»، إلا أن التعاقد تم مع رجل ينتمي لثقافة أوروبية، متحضرة نعم، إلا أنها مغايرة تماماً لثقافتنا، ولا تعترف ولا تؤمن إلا بالمصالح وفقط.
لكن حالة الجنوح بفكرة الاستقرار على هذا النحو، وحتى لا نظلم اتحاد الكرة، كانت اختياراً وحيداً، وليس ترفاً لاتحاد الكرة، فواقع الحال يشير إلى أن اتحاد الكرة مكبل اليدين والقدمين في القرارات المالية، لأنه في الأصل لا توجد لديه موارد ثابتة ومنتظمة تمكنه من التحرك بمرونة وثبات، ولذلك فإن قرار التعاقد لمدة عام واحد فقط مع المدرب، أقرب إلى «طوق النجاة الأخير» إذا لم تصادف المدير الفني للمنتخب عقبات تحول دون تحقيق المستويات الفنية المطلوبة.
وكما أشار خالد بن فارس خلال المؤتمر الصحافي، فإن التعاقد لمدة عام يعفي اتحاد الكرة من أية التزامات مالية قد تتكبدها خزينة هي في الأصل خاوية ولا تحتمل تبديد درهم واحد.وأتصور أن اتحاد كرة القدم إذا كان يمتلك ميزانية ثابتة ومنتظمة، ما كان لرئيس اللجنة الفنية أن يعلن في المؤتمر الصحافي، وبثقة، أن القناعة السائدة لاتحاد الكرة عدم التقيد بالتزامات مالية كالتعويض المالي الناتج عن فسخ التعاقد، وبالتالي لجأ اتحاد الكرة إلى الخيار الآمن.
وهو التعاقد لمدة عام قابلة للتجديد. عموماً، لن ينتظر أدفوكات طويلاً حتى يُباشر عمله، إنما هو في طريقه الآن لملاقاة بعثة منتخبنا المغادرة إلى سويسرا المشاركة في دوراتها الودية، وسيباشر المدير الفني الجديد عمله بسرعة وتحديداً بداية من يوم 26 الجاري، حتى يستفيد المنتخب من الوقت والفرصة كما أكد خالد بن فارس، وكما أبدى أدفوكات، وصمم على قيادة المنتخب خلال الدورة.
أما عن تفاصيل التعاقد المالي مع المدرب الهولندي، فقد رفض رئيس اللجنة الفنية الإفصاح عنه لسببين، أحدهما أعلنه، والآخر لم يكشف عنه!!أما السبب الأول، فيعود إلى رغبة اتحاد الكرة في الحفاظ على سرية التعاقد حتى لا يفتح الباب أمام مزايدات «الجيران» وجميعنا يتذكر حالات عديدة تم خلالها المضاربة على أسعار مدربين للمنتخب، وللأندية في الدولة، وعرض عليهم البعض أسعاراً تفوق ما يتقاضاه من اتحاد الكرة.
ولعل التاريخ البعيد يُشير إلينا بواقعة المدرب كارلوس البرتو الذي قاد منتخبنا إلى مونديال 90، بينما يشير التاريخ القريب إلى الفرنسي برونو ميتسو الذي تعرض لإغراء من قطر ترك بموجبه العين بسرعة، ولذلك فإن سرية التعاقد المالي قد تسدّ الباب أمام المدرب لطلب أي زيادات مالية مستقبلاً إذا ما تم التجديد له لموسم آخر إن شاء الله.
أما السبب الثاني، فيعود إلى العقيدة الراسخة في العقل العربي عموماً، وعلى طريقة «الباب الذي تأتي منه الريح، سده واستريح»! والباب قد يدخل إلينا رياحاً لا نشتهيها، خصوصاً إذا ـ لا قدر الله ـ لم ينجح المدرب وقطع الرحلة في منتصف الطريق. لم يتبق في أمر المؤتمر الصحافي سوى الإشارة إلى مساعد المدرب بيم فيربييك، وهو هولندي الجنسية أيضاً وكان مساعداً لأدفوكات عندما كان يدرب المنتخب الكوري الجنوبي، وله ـ كما تشير سيرته الذاتية ـ خبرة تدريبية في «المساعدة» لا بأس به.
وأيضاً، سيتم إلحاق مدرب مواطن بالجهاز الفني الجديد للمنتخب الوطني، كما أكد خالد بن فارس، وسيتم اختياره عن طريق اللجنة الفنية، خصوصاً بعد أن رحب أدفوكات بوجود مدرب مواطن داخل الجهاز الفني.أخيراً، الوقت المتبقي لا يسع إلا أن يقف الجميع، جمهوراً وإعلاماً، ورياضيين، مع المدرب الجديد في مهمته المقبلة، خصوصاً وأن خبراته التدريبية تشير إلى فرص كبيرة وعالية ليستفيد منه المنتخب وكرة الإمارات بوجه عام، ولا يتبقى إلا التوفيق.
كتب أحمد هاشم