قد تكون أنتيغون واحدة من أجمل الشخصيات النسائية اللاتي عرفهن تاريخ المسرح، فهي تجمع في تركيبها وسلوكها العام كل صور النبالة والوفاء والتضحية والشجاعة، كما تتجسد في سيرتها المأساوية كل معايير الحق والكرامة الإنسانية، كي تغدو في نهاية المطاف التعبير الأدق عن تطلعات الضمير الحي في اللحظات المصيرية الحاسمة، وقد يكون ذلك هو أحد أهم دوافع الفنان جهاد سعد لاستلهام هذه الشخصية في عرضه المسرحي الجديد «هجرة انتيغون» الذي تابعناه مؤخرا في دار الأسد للثقافة والفنون.

وأنتيغون كما بلورها سوفوكليس قبل ألفي وخمسمئة عام من الآن تقريبا هي ابنة الملك أوديب ورفيقة دربه في سنوات تشرده الطويلة بعد أن فقأ عيناه، وهام في الطرقات تكفيرا عن خطيئته في قتل أبيه وزواجه من أمه جوكاست التي أنجبت له أربعة أطفال، وهي التي سوف تعود إلى أثينا بعد وفاة والدها، لتجد الحرب قد دمرت البلاد، تلك الحرب التي نشبت بين خالها كريون الذي استولى على العرش وتفرّد به، وبين أتباع أخيها بولينيز الذي كان يطالب بأحقيته بالحكم، فقُتل في المعارك، وأمر الملك بإلقاء جثته خارج أسوار المدينة.

كي تتعفن في العراء عقابا على تمرده، فكان من أنتيغون أن تحدّت الإرادة الملكية، وحفرت قبرا لائقا لأخيها ودفنته، وهي اللحظة التي سوف يختارها جهاد سعد بداية لعرضه الذي لم تتجاوز مدته الساعة. وهكذا فإن اللحظة المقترحة مفتاحا لسير الأحداث اللاحقة، هي لحظة التحدي والمواجهة بين طاغية يملك كل أسباب القوة والبطش، وبين الضحية التي لا تملك سوى الألم والحق المستباح في زمن افتراضي هو ليلة الدفن، ومكان هو العراء، ومع ذلك فقد كان الفضاء المسرحي في غاية الأناقة، حيث فُرشت الأرض بالبودرة كناية عن الرمال، وفي خلفية المشهد تدلت حبال كهربائية بأضواء صغيرة كأنها السماء والنجوم.

وفي هذا الفضاء كان على انتيعون (ميسون أبو أسعد) أن تواجه بطش الملك (بسام داود) الذي ثار غضبه لتحديها السافر، وهددها بالقتل تارة والحرمان من كل حقوقها المدنية تارة أخرى، وكان عليها أيضا أن تتواجه مع أرواح من أحبتهم أخويها القتيلين بولينيز (شادي مقرش) وأوديبوس (جهاد سعد) وأن تقابل حبيبها هايمون (علاء الزعبي) وهو ابن كريون الذي حاول أن يثنيها عن قرارها كي يجنبها نقمة الملك، لكن وبتأثيرها ثار الابن على والده فقتله هو الآخر. ورغم كل تلك القسوة التي حملتها التفاصيل، فقد حاول المخرج إكساء المناخ بشعرية خالصة.

واختزل الكلام قدر الإمكان، ودفعه مباشرة باتجاه الدلالة، كما حاول فريق العمل الحفاظ على أداء تعبيري خافت النبرة مناسب تماما لحالة الدمار والرعب التي سكنت الفضاء، وقادت أنتيغون نحو الهجرة ثانية، ففي عتمة تلك الليلة المشؤومة تكاثفت أمامها كل معاني الخيبة والخذلان والبطش، فقررت الرحيل بحثا عن أرض بلا ضحايا أو جلادين.

غادرت أنتيغون تاركة قطعة من شعرها وأخرى من ملابسها على تراب بلدها المقدس، مؤكدة بذلك شرعية وجودها الذي لن تمحوه كل مظاهر القمع والظلم والإلغاء، ومع هذه النهاية الشفيفة يكون جهاد سعد قد أثار من جديد أسئلة السلطة والعلاقة ما بين الحاكم والمحكوم، وانتصر لمقولة أن الحق في الاختلاف وإبداء الرأي هو شرط أساسي من شروط التحضر والمجتمع المدني وشرعية الحكم.

تهامة الجندي