ماشهدته ملاعب الجامعة الاميركية بدبي االثلاثاء المضي ، لم يكن مجرد اختبارات لمن هم فوق الـ 16 سنة لمعرفة من منهم يستطيع ان يلعب كرة القدم ومن لديه الموهبة الكروية الحقيقية..
كما لا يجوز حصره في نطاق مسابقة للشباب العربي على نمط « ستار اكاديمي» و «سوبر ستار» حتى لو كانت الجائزة اللعب في نادي انجليزي كبير بحجم نيو كاسل.. لكن الحدث أكبر من ذلك بكثير، فهو دليل دامغ على فشل المؤسسة العربية الرسمية في اكتشاف المواهب الكروية، ووثيقة حية تشير إلي عجزها عن النزول الى حواري وشوارع المدن والاحياء العربية لاكتشاف مناجم المواهب الرياضية عموما والكروية بوجه خاص.
كشفت اختبارات كرة القدم في الجامعة الأميركية عن انتهاء العمر الافتراضي لوزارات الشباب والرياضة في كل المنطقة العربية، فقد شاخت تلك المؤسسات في مواقعها وبدرجة فقدت معها ابسط وأقل الاهداف التي أنشئت من أجلها ولم تعد قادرة إلا على الجلوس داخل الغرف المكيفة وأحيانا الذهاب الى «البيت الكبير» المطل على نيل القاهرة لإصدار بيانات الشجب والادانة والاستنكار .
وفي الوقت الذي تبدو فيه المؤسسة الرياضية الرسمية منشغلة من قمة رأسها حتى أخمص القدم بصراع محموم بين سلطان بن مجرن رئيس اتحاد الامارات لبناء الاجسام ونظيره المصري عادل فهيم حول أحقية كل منهما في رئاسة الاتحاد العربي للعبة، وبدرجة فتحنا معها الباب للتدخل الخارجي من قبل الاتحاد الدولي.
تاركة الشباب العربي وحيدا أمام الأصولية المتشددة أحيانا، وأمام إغواء الاغتراب الذي يقذف علينا «كليبات» الخلاعة والانسحاب من هويتنا في أحيان أكثر.. في تلك اللحظة، وفي نفس الوقت تأتي أطراف مدنية تابعة لمؤسسات خاصة غير رسمية، اضطرت ان تمد يدها للغرب حتى تستطيع ان تقوم بالدور الذي غابت عنه مؤسساتنا الرياضية الرسمية.
ما حدث في «أميركية» دبي واحدة من تجليات تراجع المؤسسات الرسمية العربية عن القيام بمهامها الأساسية.. فقد اقتبس المنظمون لاختبارات الكرة التي أجريت على شباب من الامارات ومن كل الجنسيات المقيمة، فكرة النجاح الذي سجلته برامج الكشف عن المواهب الغنائية في الوطن العربي وقاموا بتطبيقها في مجال كرة القدم باعتبارها معشوقة الجيل العربي الصاعد منذ سنوات الاستقلال والتحرر من الاستعمار..
والفكرة تستهدف اختيار افضل 25 موهبة كروية بين الشباب العربي وإقامة معسكر تدريبي واختباري لمدة 4 اسابيع في القاهرة ويتم تصويرهم تلفزيونيا وهم يلعبون الكرة، وأيضا أثناء قضاء أوقات فراغهم وتسجيل محادثاتهم وقفشاتهم لتقديم صورة من قريب عن عقل الشاب العربي الان وصحته ومواهبه وإمكاناته..
وفي نهاية الاسابيع الأربعة يتدخل جمهور المشاهدين بأسلوب التصويت عبر الهاتف الذي يجري حاليا في برامج المسابقات الفنية لاختيار الموهوبين، في ظل متابعة دقيقة من مندوب نادي نيوكاسل لاختيار أفضل موهبة يتم إيفادها لمدة عام كامل إلى انجلترا، وتحديدا في نادي نيوكاسل حيث يتم تدريبه وصقل موهبته ثم التعاقد معه كلاعب محترف في الدوري الانجليزي براتب يعد خياليا لاي شاب عربي يبدأ مشوار الحياة، يحقق به طموحه وأحلامه .
والاختبارات التي تمت في ملاعب «أميركية» دبي ليست الاولى ولن تكون الأخيرة.. فقد قام المنظمون وأصحاب الفكرة بعمل اختبارات يوم 18 يونيو الماضي في القاهرة وتم اختيار 11 شابا تتراوح أعمارهم بين 16 و18 عاما، والامارات كانت الدولة العربية الثانية التي تجري فيها مثل تلك الاختبارات، وبعد ذلك يذهب المنظمون الى البحرين، ثم الى الكويت، فالسعودية، وبعدها الجزائر، ثم تختتم المرحلة الاولى في لبنان يوم 31 الجاري.
وبعدها يعلن 4 مدربين تم استقدامهم من النادي الانجليزي، ومعهم المدربان العربيان عبد العزيز عبد الشافي (زيزو) واسماعيل يوسف، وأيضا أحد وكلاء اللاعبين المعتمدين من الفيفا لقياس ما إذا كان هذا اللاعب أو ذاك لديه المقدرة على التعايش بعيدا عن أسرته وبيئته الاجتماعية وتقبل افكار وثقافة اخرى أم لا.
وفي المرحلة الأخيرة التي ستقام بالقاهرة سيتم تصفية اللاعبين وفقا لاختبارات نظام « سوبا سكيلز» الذي ابتدعه النجم الاسبق لنادي ليفربول الانجليزي كريج جونستون الاسترالي الجنسية، ويتم بموجبة إجراء اختبار من 20 خطوة يقوم بها الناشيء تشمل قياس مقدرة كل منهم على فنون الكرة المختلفة وعلى التعاون في الملعب والالتزام بتعليمات المدرب والسلوك العام تجاه المنافس.. وكل خطوة لها درجة محددة ويتم تقييم علمي لكل ناشيء، يحصل بموجبه على درجة كلية.
الفكرة وتطبيقها في مشهدها العام تبدو جيدة ومتقدمة، لكن ولأنها بعيدة عن المؤسسة الرسمية ويهمها تحقيق الدعاية للشركات القائمة على تنفيذها في المقام الأول، فقد وقعت في المحظوربضغط من تحقيق الارباح وتعويض الإنفاق الذي يتكلف نحو مليون ونصف المليون دولار.
في الأسبوع الاول من معسكر القاهرة يتم تصفية 6 لاعبين من الـ 25 المختارين بواسطة الجمهور المشاهد، وفي الاسبوع التالي يتم استبعاد 6 اخرين ممن حصلوا على أقل الاصوات من الجمهور، وفي الاسبوع الثالث يتدخل الجمهور من جديد لاستبعاد 6 لاعبين، إلى أن يتبقى 7 لاعبين فقط هم الحاصلون على أعلى نسبة تصويت من الجمهور المتابع يوميا للبرنامج الذي يقضي نحو ساعة من الزمن داخل معسكر اللاعبين .
ويترك الفرصة لكل منهم للتحدث الى الجمهور الذي عودنا أن يعطي صوته طبقا لحالة التعاطف التي يعيشها مع هذا اللاعب أو ذاك بناء على مقاييس قد تكون غير فنية مثل خفة الظل والظروف الاجتماعية الصعبة أو حتى التحيز للاعب ينتمي الى نفس جنسية المصوتين عبر الهاتف..
وهكذا تتم عملية الاستبعاد من المستطيل الاخضر عبر كاميرات التلفزيون و«ومسجات» الموبايل، الى أن يتبقى 7 فقط في الاسبوع الاخير يتم عرضهم يوميا على الجمهور للتصويت، ويستقر المنظمون على أصحاب أعلى 3 لاعبين حصلوا على أصوات. صحيح أن نظام الاختيار يعطي الحق للخبراء المتابعين في الإبقاء على موهبة يرونها أجدر وأحق من غيرها التي حصلت على نصيب اعلى من الاصوات!!
وصحيح أن من حق مندوب نادي نيوكاسل فرض لاعب من بين 3 لاعبين بلغوا الاسبوع الاخير من التصفية النهائية إلا أن الحقائق تشيركما يؤكد عمرو قورة رئيس مجلس ادارة الشركة المنظمة للبرنامج والفكرة أن الجمهور له نصيب في اختيار الافضل والاكثر موهبة يبلغ نسبة 80%، في حين يتدخل الخبراء والفنيون في الاختيار بنسبة 20% وبالتالي فإن احتمال فوز الناشيء صاحب الموهبة الاقدر والاحق باللعب لمدة عام كامل في بلاد الانجليز ولن يتكلف خلاله فلسا واحدا، يعد قائما بنسبة 20%، أما الجائزة فيبدو أنها ستذهب بنسبة 80% الى صاحب الحظ الاكثر.
ومبلغ المليون ونصف المليون دولار الذي تكلفه البرنامج والاختبارات التي تجري في العواصم العربية تم جمعه ليس من أجل سواد عيون كرة القدم العربية، إنما من أجل مصالح شركات عالمية كبرى لها مشروعاتها في المنطقة ككل، ورأت أن وجودها بين العرب لن يتم استساغته وهضمه إلا من خلال مشروعات ثقافية او اجتماعية او رياضية، وبمجرد أن طرحت عليها بعض المؤسسات الاعلامية والخدمية الخاصة الفكرة، انتهزتها وقدمت هذا المبلغ كعربون محبة وصداقة لكرة القدم العربية.
وفي خلال مدة وجيزة تكفلت شركتا «تويوتا» و«فوكس موتور اويل» بالأمر، وسارعت بعض الشركات العالمية الاخري العاملة في الامارات للتقدم بعرض مالي من أجل اقتطاع نصيب لها من القبول الاجتماعي واختراق السوق العربية الواسعة.لكن المؤلم في الامر أن فكرة الكشف عن المواهب تغيب عن المؤسسة الرسمية الكروية في عديد من البلدان العربية..
وعلى سبيل المثال فأن اتحاد الامارات للكرة لم يعط للأمر أي اهتمام وتجاهل الرد على مطلب المنظمين بالتعاون وترشيح نجم كروي كبير لحضور الاختبارات من أجل تشجيع الصغار، بالرغم من أن الفكرة قد تقدم لكرة الامارات مواهب جديرة بالاهتمام.. ويبدو ان اتحاد الكرة لم يكن أفضل من مثيله في دمشق أو القاهرة أو السعودية، فقد اكتفى بعمليات استكشاف المواهب التي تقوم بها الاندية المحلية، وربما تشكك في نوايا جهات غير حكومية أو رسمية تقدم على مثل تلك الاعمال.
وربما كان اتحاد الكرة معذورا، فهو (وغيره) ليس لديهم خبرات كبيرة عن برامج ونظم كشف المواهب.والواقع أن التشكك في أدوار مؤسسات المجتمع المدني (غير الرسمية) لا يقتصر فقط على الاتحادات المحلية أو وزارات الشباب والرياضة، فالأندية بدورها تتشكك في أي جهة تبدي تعاونا طالما أنها غير حكومية أو رسمية فالقائمون على فكرة برنامج الكشف عن المواهب الكروية حاولوا استئجار ملعب أحد الأندية الكبري بدبي.
لكن مجلس الادارة تهرب بلباقة وشياكة وطلب ايجارا مقداره خمسون ألف درهما في اليوم الواحد نظير تأجير الملعب الذي ستجرى عليه الاختبارات للناشئين، في حين وافقت مؤسسة علمية غير حكومية على تأجير ملعبها مقابل خمسة الاف درهم في اليوم الواحد.. وفي مصر استأجر منظمو فكرة الاختبارات ملعب نادي الشمس مقابل 25 ألف جنيه مصري في اليوم الواحد.
عموما، فتحت اختبارات الكرة التي اقيمت على ملعب «أميركية» دبي ملف كرة القدم، ليس باعتبارها لعبة يركض خلالها اللاعبون وراء الكرة لتسجيل الاهداف وامتاع الجماهير، إنما باعتبارها حياة اجتماعية شاملة تستدعي ادماج المؤسسة الرسمية مع غير الرسمية لكسر حاجز الخوف والتشكك في نوايا مؤسسات المجتمع المدني، ربما ننجح في تدشين ثقافة رياضية وكروية جديدة تتماشي مع واقع الاحتراف الذي تسعى اليه الدول العربية، لتحرير كرة القدم وكل الالعاب الاخري من أسر الروتين واللوائح والمجاملات.
كتب احمد هاشم